ولعل بحث الجانب البلاغي عند سيبويه بما في ذلك فكرة المقام من البحوث البكر التي يجب أن تنصرف إليها الهمم. يقول نهاد الموسى:"وكنت نظرت في سياق بحث مختلف في كتاب سيبويه ألتمس فيه هذا العنصر من عناصر التحليل فوجدته منذ ذلك العهد المبكر يفزع إلى"السياق"والملابسات الخارجية وعناصر المقام ليرد ما يعرض في بناء المادة اللغوية من ظواهر مخالفة إلى أصول النظام النحوي طلبا للاطراد المحكم وهو يوافق فيما صدر عنه في الكتاب ملاحظات كثيرة مما تنبني عليه الوظيفة ومناهج"التوسع"أو اللغويات الخارجية بعبارة دي سوسير" (27)
وسيبويه يجمع في كتابه بين التفسير اللغوي وملاحظة السياق ولا يقف عند الجانب اللغوي الخالص المنسجم مع نظرية العامل بل يتسع في تحليل التراكيب إلى وصف المواقف الاجتماعية التي تستعمل فيها وما يلابس هذا الاستعمال من حال المخاطب وحال المتكلم وموضوع الكلام"كما تنبه إلى دور السياق في أمن اللبس وتحديد البناء الجواني المقصود من البناء البراني ذي الاحتمالات" (28) .
و يبلغ سيبويه من اعتبار موقف الاستعمال أن يجعله فيصلا في الحكم بصحة التراكيب النحوية وخطئها، ومن ذلك أننا نراه يقف على الجملة الواحدة فيحكم عليها في موقف من الاستعمال بأنها خطأ، وفي موقف من الاستعمال آخر بأنها صواب، وهذه الجملة لو اكتفى بالنظرة الشكلية الذاتية جملة نحوية جائزة، ولكن اللغة عنده لم تكن تنفك عن ملابسات استعمالها ومقاييس اللغة عنده تستمد من معطيات النظام الداخلي للبناء اللغوي كما تستمد من معطيات السياق الاجتماعي التي تكتنف الاستعمال اللغوي.
كما نلاحظ عناصر اللغويات الخارجية أو البعد الخارجي في التحليل النحوي في كتب شراح الشواهد النحوية بكثافة، ونخص بالذكر (خزانة الأدب) للبغدادي و (شرح شواهد المغني) للبغدادي والسيوطي ... فمعنى البيت وإعرابه أحيانا لا يستقيم إلا بإرجاعه إلى سياقه ومراعاة ظروف مقامه.