لقد اهتدى علماء العربية في وقت مبكر من، تاريخ العلوم اللغوية والبلاغية إلى ما يحف بظاهرة الكلام من الملابسات، كالسامع والمقام وظروف المقال وكل ما يقوم بين هذه العناصر غير اللغوية من روابط، والأمثلة كثيرة على أصالة هذا المبدأ الفني في التراث البلاغي العربي. فقد تحدث علماء القرآن عن أسباب النزول وأفردوه بالتأليف، وتحدث علماء الحديث عن أسباب الورود وتحدث الأدباء والنقاد عن أسباب وظروف الإنشاد.. ومن ذلك ما أورده الجاحظ في كتابه من أجوبة فيها توجيه لما نحن فيه. فمما نقله عن بعض أهل الهند قولهم:"جماع البلاغة التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات القول". وأن"لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة ... ومدار الأمر على إفهام كل قوم بمقدار طاقتهم والحمل عليهم على أقدار منازلهم" (24) .كما فطن المفسرون إلى الفرق بين ظاهر القرآن وباطنه فكان فهمهم لهذا الفرق تفريقا منهم بين المعنى المقالي والمعنى المقامي.
كما اعتنى النحاة بدورهم بالمقام الذي تتشكل فيه العناصر اللغوية، مشيرين بذلك إلى تأثير دلالة سياق النص اللغوي وسياق الموقف الملابس له على العناصر النحوية من حيث الذكر والحذف والتقديم والتأخير والتعريف والتنكير وغير ذلك مما درسه ما يعرف بعلم المعاني إذ يدرس أحوال الإسناد الخبري وأحوال المسند إليه وأحوال المسند وأحوال متعلقات الفعل. (25)
فالوظيفة النصية تختص ببناء الحدث اللغوي (المقال) وذلك باختيار الجمل المناسبة للمقام ولقوانين النحو ولتنظيم المحتوى بطريقة منطقية مترابطة تتسق مع عملية الاتصال في مجموعها (26) .