فهرس الكتاب
الحث على قِصَرِ الأمل في الدنيا
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبيَّ فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) أخرجه ... البخاري [1] .
الحديث دليل على وجوب اغتنام الأوقات، والحث على قِصَرِ الأمل، وتقديم التوبة والاستعداد للموت، وهذا الحديث من أبلغ الكلام في التذكير بالآخرة وعدم الاغترار بالدنيا، وذلك أن الدنيا فانية، مهما طال عمر الإنسان فيها، فهي دار ممر لا دار مقر، وكل نفس ذائقة الموت، وهذه حقيقة مشاهدة، نراها كلَّ يوم وليلة، ونحس بها كلَّ ساعة ولحظة، وإذا كان الإنسان لا يدري متى ينتهي أجله ويأتيه الموت فعليه أن يستعد للرحيل، وأن يكون عابر سبيل، فلا يركن إلى الدنيا ولا يتعلق بها ولا يتخذها وطنًا ولا تحدثه نفسه بالبقاء فيها، فلا يتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه الذي سيفارقه مهما تكن راحته وهناؤه، وأن يكون فيها كالمسافر الذي يكتفي بسفره بالقليل الذي يساعده على بلوغ غايته وتحقيق مقصده.
ولقد أدرك الصحابي الجليل عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - موعظة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إدراكًا علميًا وعمليًا، وأخذ منه هذه الوصايا الثلاث العظيمة:
الأولى: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء» ومعنى ذلك: حث المؤمن على قِصَرِ الأمل في هذه الحياة، وأنه ينبغي له إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظن أن أجله مدركه قبل ذلك.
الوصية الثانية: «وخذ من صحتك لمرضك» والمعنى: أنه ينبغي للمؤمن أن يغتنم أوقات الصحة وسلامة البدن من العلل، وذلك بفعل الخير والإكثار من
(1) صحيح البخاري (6416) .