فهرس الكتاب
إن البعد عن الأهل والديار وترك الأحبة والخلان تعد محنة في حد ذاتها، وذلك لأن الإنسان قد ارتبط منذ طفولته بالأرض التي ولد فيها وترعرع وكبر في أحضان ربوعها وأهلها وشرب من مائها وأكل من طيباتها، فكل ذلك يدفع الإنسان أن يتجه إلى تلك الأرض بكل مشاعره وعواطفه لأنها تحمل ذكرياته وآثاره، وحتى أمانيه وآماله، فإذا ترك هذا الإنسان هذه الأرض فإنه يشعر بتعب نفسي كبير لأنه يخوض معركة مع مشاعره وآماله، من أجل ذلك كانت الغربة صعبة على النفس البشرية وإن كانت الأرض المهاجر إليها حافلة بكل وسائل السعادة والرخاء، فالقلب يبقى معلقًا ومشدودًا إلى تلك الديار التي أنجبته، هذا إذا كانت الهجرة باختيار الإنسان نفسه وإرادته، فكيف به إذا كانت تلك الهجرة قسرًا وكرهًا نتيجة عوامل اقتصادية سعيًا وراء الرزق أم اجتماعية هروبًا من مشكلات أسرية وعائلية معينة تتطلب الابتعاد عن الوطن، أم كانت هجرة دينية من أجل سلامة العقيدة والحفاظ عليها.
ومهما كانت هذه الهجرة ودوافعها، فإنها في النهاية تلقي بصاحبها إلى الغربة المريرة، وما تفرض عليه من عذاب وأحزان، وربما يجد هذا المغترب من الناس الذين هاجر إليهم الظلم والاضطهاد وسوء الأخلاق ، فليس له سوى الصبر واللجوء إلى الله، لإزالة غمته في غربته ووحدته، فإنه إن فعل ذلك واحتسب، فإن الله لن يخذله وسيبدل ابتلاءه إلى نعيم، وسيذهب عنه هم الغربة ويبدله بها طمأنينة النفس وراحة البال.
يقول الله تعالى: { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } (1) .
من أنواع الصبر
(1) سورة النساء، الآية 100.