فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 34

أما المعاهدة الدائمة -كعقد الذمة- فليس للمسلمين باتفاق للفقهاء نقضها إذا رأوا المصلحة في ذلك؛ لأن المعاهدة الدائمة عقد لازم لا يحتمل النقض، فلا يجوز للإمام أن ينبذ العهد إلى المعاهدين [1] .

والنبذ: هو إعلام العدو بنقض العهد حتى يكون على علم بذلك منعًا للغدر والخيانة, فالنبذ إذًا محصور في المعاهدة المؤقتة لا الدائمة.

فيجوز للإمام نقض المعاهدة المؤقتة من أمان وهدنة إذا خيفت خيانة المعاهد، كتدبير اعتداء، أو القيام بالاعتداء بالفعل؛ لقوله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ) [الأنفال: 58] , لكن لا يبدأ المسلمون بالحرب إلا بعد التأكد من بلوغ النبذ, أو نقض العهد إلى حكام الأعداء.

ويفهم من ذلك أن نقض المعاهدة من جانب المسلمين يتطلب توافر الشروط التالية, وهو رأى جمهور الفقهاء غير الحنفية:

1 -وقوع اعتداء أو خيانة واضحة من قبل المعاهدين.

2 -أن يكون الاعتداء أو الخيانة أو الغدر على جانب من الخطورة.

3 -توقع الاعتداء بقرائن وأمارات قاطعة الدلالة عليه.

وأجاز الحنفية نبذ عقد الأمان إذا لم تتوافر للمسلمين المصلحة في بقائه واستمراره, وقد نبذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- الموادعة التي كانت بينه وبين أهل مكة.

ثانيًا: نقض المعاهدة من جانب الأعداء:

تنقضي المعاهدة إذا نقضها العدو في أحوال معينة تختلف بحسب كل عهد على حدة.

فقال الشافعية: لا ينتقض عهد الذمة بمخالفة مقتضى العهد, أو بارتكاب بعض الجرائم أو المخالفات, إلا إذا شرط ذلك عليهم بنص المعاهدة.

وقال المالكية والحنابلة: ينتقض عهد الذميين بارتكاب جريمة, أو مخالفة ما ذكر سابقًا, سواء شرط عليهم ذلك, أو لم يشرط.

ورأى الحنفية: أنه لا ينتقض عهد أهل الذمة بترك واجباتهم, إلا أن يكون لهم منعة يحاربون بها المسلمين، ثم يلحقون بدار الحرب، أو يتغلبون على موضع ويحاربوننا بعده.

2 -نقض الأمان: ينتقض الأمان بما ينتقض به عقد الذمة، وبنقض أحد الجانبين له؛ لأنه في رأي الحنفية غير لازم، وأما رأي جمهور الفقهاء فهو عقد لازم [2] .

(1) البدائع: 7/ 109، فتح القدير: 4/ 352، الأم: 4/ 108، المهذب: 2/ 263، المغني: 8/ 463.

(2) فتح القدير: 4/ 353، المبسوط: 10/ 89، شرح الكبير: 1/ 205، نهاية المحتاج: 7/ 217، المهذب: 2/ 264، تصحيح الفروع: 3/ 627.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت