الْهَرَبُ مِنْ الصَّائِلِ: 8 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْهَرَبِ مِنْ الصَّائِلِ . فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ , وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إلَى أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ أَنْ يَهْرُبَ أَوْ يَلْتَجِئَ إلَى حِصْنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ حَاكِمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ , وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْقِتَالُ , لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَخْلِيصِ نَفْسِهِ بِالْأَهْوَنِ فَالْأَهْوَنِ , وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى الْأَشَدِّ مَعَ إمْكَانِ الْأَسْهَلِ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ إضْرَارِ غَيْرِهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ . وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِوُجُوبِ الْهَرَبِ أَنْ يَكُونَ بِلَا مَشَقَّةٍ , فَإِنْ كَانَ بِمَشَقَّةٍ فَلَا يَجِبُ . وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الصَّائِلُ مَعْصُومَ الدَّمِ , فَلَوْ صَالَ عَلَيْهِ مُرْتَدٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ لَمْ يَجِبْ الْهَرَبُ وَنَحْوُهُ , بَلْ يَحْرُم عَلَيْهِ . فَإِنْ لَمْ يَهْرُبْ - حَيْثُ وَجَبَ الْهَرَبُ - فَقَاتَلَ وَقَتَلَ الصَّائِلَ , لَزِمَهُ الْقِصَاصُ , فِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ , وَهُوَ الْأَوْجَهُ , وَلَزِمَتْهُ الدِّيَةُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ لَهُمْ أَيْضًا . وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الْهَرَبِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ إقَامَتَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ جَائِزَةٌ , فَلَا يُكَلَّفُ الِانْصِرَافُ . وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ إنْ تَيَقَّنَ النَّجَاةَ بِالْهَرَبِ وَجَبَ عَلَيْهِ , وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ .