وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة وغيرهم ـ رضى اللّه عنهم ـ وهي عامة للمكلفين، إلا النبيين فقد اختلف فيهم . وكذلك اختلف في غير المكلفين، كالصبيان والمجانين، فقيل: لا يفتنون؛ لأن المحنة إنما تكون للمكلفين، وهذا قول القاضي وابن عَقِيل .
وعلى هذا فلا يُلَقَّنون بعد الموت . وقيل: يلقنون ويفتنون أيضًا، و هذا قول أبي حكيم، وأبي الحسن بن عبدوس، ونقله عن أصحابه، وهو مطابق لقول من يقول: إنهم يكلفون يوم القيامة، كما هو قول أكثر أهل العلم، وأهل السنة، من أهل الحديث والكلام . وهو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري ـ رضي اللّه عنه ـ عن أهل السنة، واختاره، وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد .
وأما الردة عن الإسلام بأن يصير الرجل كافرًا مشركًا، أو كتابيًا ،/فإنه إذا مات على ذلك حبط عمله باتفاق العلماء، كما نطق بذلك القرآن في غير موضع، كقوله: { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } [ البقرة: 217 ] ، وقوله: { وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } [ المائدة: 5 ] ، وقوله: { وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأنعام: 88 ] ، وقوله: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر: 65 ] .
ولكن تنازعوا فيما إذا ارتد، ثم عاد إلى الإسلام هل تحبط الأعمال التي عملها قبل الردة أم لا تحبط إلا إذا مات مرتدًا ؟ على قولين مشهورين، هما قولان في مذهب الإمام أحمد، والحبوط: مذهب أبي حنيفة ومالك . والوقوف: مذهب الشافعي .