يرى قبول شهادة الأعمى على الأقوال إذا تيقن الصوت، روي ذلك عن علي، وابن عباس. وبه قال ابن سيرين، وعطاء والشعبي، ورواية لزفر عن أبي حنيفة، وقول لأبي يوسف إذا تحمل السماع قبل العمى، ومذهب المالكية والمزني من الشافعية، والحنابلة، والظاهرية، والزيدية [1] .
واستدلوا على هذا بما يلي:
أ من القرآن الكريم:
قوله تعالى: (( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ) ) [2] .
ففي هذه الآية دلالة على قبول شهادة الأعمى إذا علم يقينا صوت من يشهد عليه؛ ذلك لأن الأعمى داخل تحت عموم رجال المسلمين، ويتمتع بحاسة السمع التي هي أحد مدارك الشهادة [3] .
ب - عمل الصحابة:
فالصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يسألون أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- عن المسائل، ويعملون على قولهن، ولا يسمعون منهن غير الأصوات [4] .
ويناقش هذا: أن الحديث قبل منهن على صدق المخبر وعلى الأغلب على القلب، وهو يفترق عن الشهادات ويقبل في الحديث حدثني فلان عن فلان، ولا يقبل في الشهادة حدثني فلان عن فلان، وفي الجملة فإن شروط الرواية تختلف عن شروط الشهادة [5] .
ج- الأدلة من القياس:
قاسوا قبول شهادته على جواز روايته، وجواز استمتاعه من زوجته إذا عرف صوتها [6] .
ويناقش هذا الاستدلال: أن رواية الحديث والاستمتاع بالزوجة يجوز بالظن وهو خبر الواحد [7] .
كما أن إصابة الأعمى لأهله أمر لا يشبه الشهادات؛ لأن الأعمى وإن لم يعرف امرأته معرفة البصير فقد يعرفها معرفة يكتفي بها، وتعرفه هي معرفة البصير، وقد يصيب البصير امرأته في الظلمة على معنى معرفة مضجعها، ولا يجوز له أن يشهد على
(1) انظر: شرح فتح القدير: (7/ 397) ، حاشية الدسوقي: (4/ 167) ، مختصر المزني لإسماعيل بن يحيى المزني: (5/ 413) ط. دار الفكر مع (كتاب الأم) ، الشرح الكبير لابن قدامه المقدسي مع المقنع: (29/ 402) ، المحلى: (9/ 434) ، السيل الجرار: (4/ 199) .
(2) سورة البقرة من الآية 282.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (3/ 389) .
(4) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون: (2/ 87) ط. دار المعرفة بيروت، المحلى: (9/ 434) .
(5) الأم: (7/ 46) .
(6) الشرح الكبير لابن قدامه: (29/ 403) ، النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر: (2/ 288) .
(7) المهذب للشيرازي: (2/ 335) .