ويجاب عن هذا بما يلي:
أ أنها تجوز على الميت مع عدم معاينته في الدنيا، وتجوز على الغائب ببلد مع عدم الرؤية [1] .
ب أنها تفارق الحكم فإنه يعتبر له من شروط الكمال ما لا يعتبر للشهادة والاجتهاد وغيرهما [2] .
ثالثا: يرى ابن حزم الظاهري أن شهادة الأعمى مقبولة كالصحيح [3] .
وسنده على هذا: أن الأصوات إن كانت تشتبه فالصور أيضًا قد تشتبه، وما يجوز لمبصر ولا أعمى أن يشهد إلا بما يوقن ولا يشك فيه، ومن أشهد خلف حائط أو في ظلمة فأيقن بلا شك بمن أشهده فشهادته مقبولة في ذلك [4] .
ويناقش هذا: بأن الأعمى غير مقبول الشهادة خاصة في الأفعال التي يتوقف قبولها على الإبصار ففقد آلة الإبصار وهي العينين بالنسبة للأعمى يجعل طريق المعرفة مسدودا وتشتبه الأصوات، كما لا تقبل شهادة المبصر الذي يدرك الأشخاص ولا يميزها [5] .
والراجح - والله أعلم - الرأي القائل بقبول شهادة الأعمى إذا تحمل الشهادة مبصرا لقوة دليله وخلوه من المعارضة وضعف أدلة الآراء الأخرى.
إضافة إلى ذلك: فإن هذا القول ترجح مشروط بتيقن الأعمى لصوت من تحمل الشهادة عليه حال كونه مبصرا.
المسألة الثانية
حكم شهادة الأعمى على ما يثبت بالسماع
ما يثبت بالسماع إما أن يكون قولا كالعقود أو أشياء يتعسر إثبات ابتدائها لطول مدتها وهي التي تثبت بالاستفاضة، وتفصيل ذلك على النحو التالي:
أولا: حكم شهادة الأعمى على الأقوال:
الأعمى وإن كان فاقدا لآلة البصر التي تمنعه من معاينة المشهود عليه إلا أنه يتمتع بحاسة السمع التي هي أحد مدارك الشهادة.
وبسبب اختلاف العلماء في اشتراط الإبصار في الشاهد، وهل يعتبر شرطا في التحمل أو الأداء أو فيهما معا؟ اختلفوا في قبول شهادة الأعمى على الأقوال على النحو التالي:
الرأي الأول:
(1) انظر: المرجع السابق، الأم: (7/ 91) .
(2) الشرح الكبير لابن قدامه المقدسي: (29/ 404) .
(3) المحلى: (9/ 433) .
(4) المرجع السابق.
(5) نهاية المحتاج: (8/ 316) .