فضيلة الشيخ / محمد الحسن ولد الددو
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد
فإن النساء يتميزن ببعض الأحكام المختصة، نظرا لأن الأحكام أحكام الشرع مبنية على مراعاة الفروق الفردية وعلى الرفق واللطف، وقد قال تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} ، والمشقة تجلب التيسير، وهي قاعدة عامة من القواعد الشرعية الكبرى، فكل ما فيه مشقة على الإنسان فالله تعالى يرفع فيه التكليف والحرج، ولذلك ذكر أهل العلم ضوابط المشقة فذكروا منها المرض والضعف والقلة والكثرة والسفر والتردد في الأمر والخوف فهذه ضوابط تحصل بها المشقة، فإذا حصلت بأي ضابط من هذه الضوابط فإنها معتبرة شرعا، والنساء يعرض لهن من العوارض ما تتوافر معه المشقة، كالحمل والإرضاع والحيض والاستحاضة فهذه أربعة عوارض إذا عرض واحد منها أثر في أحكام الطهارة والصلاة والصيام، وفي حلقتنا هذه سنتكلم عن هذه العوارض في الصيام، فالعارض الأول الحيض، فإذا حاضت المرأة قبل دخول شهر رمضان فإنها تبقى على جلوسها لا تصوم حتى تتأكد من الطهر والطهر يحصل بأمرين إما بالجفوف أي جفوف المحل من الدم وإما بالقصة البيضاء التي هي ماء يخرج في أعقاب الحيض وإذا تأكدت من الطهر في الليل فإنه يجب عليها الصيام في النهار، وإذا بقيت على شك في الطهر فإن الأصل أنها متلبسة بمبيح وهو الحيض حتى يرتفع، فلا يجب عليها الصيام حتى تتأكد من الطهر، أما إذا كانت على طهر وشكت في الحيض هل حصل أم لا فإنها لا تعتبر ذلك الشك لأنه شك في مانع ولأنها متلبسة بوجوب الصوم قبل ثبوت حيضها، وإذا حاضت في أثناء النهار فتأكدت من الحيض فإنها تأخذ بحكمه، فالحيض قاطع للصيام، وهو مانع من أدائه ولكنه يجب قضاؤه، فتقضي الحائض الصيام دون الصلاة، كما ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: فكنا نؤمر بقضاء الصوم دون الصلاة، وهذا يقتضي وجوب قضاء الصوم ما أفطرت منه الحائض في وقت حيضها وأنها لا يجب عليها قضاء الصلاة، والفرق بين الصوم والصلاة أن الصلاة متكررة في اليوم والصوم ليس كذلك فاعتبر هذا التكرر لأنه ضابط من الضوابط الماضية وهي الكثرة، فكثرت عليها الصلاة فلم يجب عليها القضاء للمشقة الحاصلة بالتكرر بخلاف الصوم، فعادة النساء متفاوتة في الحيض في قدره والنبي صلى الله عليه وسلم قال: تحيضي ستا أو سبعا في علم الله، فاقتضى ذلك أن أكثر عادة النساء في الحيض إما أن تكون ستة أيام أو سبعة أيام، وبعضهن يكون حيضها أقل من ذلك وبعضهن يكون حيضها أكثر من ذلك، فإن كانت المرأة مبتدأة أي لأول مرة تحيض فإن المعتبر حينئذ هو حصول الطهر بالجفوف أو بالقصة، وإن كانت المرأة قد حاضت من قبل فإنها تعتبر معتادة بحيضتها وقد اختلف فيما يحصل به انضباط العادة فذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تحصل إلا بالتكرر ثلاثا، فإذا حاضت المرأة ثلاث مرات متوالية في ثلاثة أشهر فإنها تعرف قدر حيضها لأنها قد تعودت عليه، وإذا كانت قد حاضت مرة أو مرتين فلا تعتبر معتادة حتى يتكرر عليها ذلك ثلاثا، وقيل: تحصل العادة بالمرة الواحدة، فإذا حاضت فعرفت أنها تحيض عادة سبعة أيام أو ستة أيام وأنها تطهر أول النهار أو آخره فإنها تعتبر ذلك، وهذه العادة فيما يتعلق بنهاية الحيض وبدايته أيضا مشككة فهي غير منضبطة، قد يأتي الحيض أول النهار وقد يأتي في وسطه وقد يأتي في آخره، وكذلك الطهر، قد يقع في أول النهار وقد يقع في وسطه وقد يقع في آخره، ولا يجب على المرأة نظر طهرها عند نومها، ولكن عند طلوع الفجر إذا استيقظت تنظر، فإن كان المحل قد حصل فيه جفوف فإنه يجب عليها الصيام، وإن كان بقي فيه شيء فإنها تبقى على فطرها بسبب الحيض حتى تتأكد من الطهر، وإذا كانت تعتاد القصة فإنها تنتظرها لأن طهرها إنما يكون بها، فهي أبلغ من الجفوف، ومع ذلك يمكن أن تعتمد على الجفوف في صومها، فإذا حصل الجفوف ولو لم تنزل القصة قبل طلوع الفجر فيمكن أن تصبح صائمة والقصة لا تفسد عليها صيامها، وإذا تقطع عليها الحيض فوجدت طهرا في الليل فأصبحت صائمة، ثم عاودها الدم مرة أخرى فإنها تعتبر الأيام الخالية من الحيض إذا مضى يوم كامل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ولم تر فيه حيضا فهذا اليوم صومه صحيح وإذا حصل فيه أي شيء من الدم فإنها لا تعتبر ذلك اليوم بل تعده من أيام الحيض وتقضيه فتلفق أيام عادتها فتعدها حتى تكمل عادتها وعند المالكية تستظهر عليها ثلاثة أيام، أي تضيف إليها ثلاثة أيام على أكثر عادتها ما لم تكن عادتها مثلا ثلاثة عشر يوما أو أربعة عشر يوما أو خمسة عشر يوما فإنها لا تزيد على خمسة عشر يوما شيئا، وإن كانت أربعة عشر يوما تستظهر بيوم واحد، وإن كانت ثلاثة عشر يوما تستظهر بيومين، وإن كانت اثني عشر يوما