2 -وأخرج البخاري في الصحيح عن أبي حميد"وأهدى ملك آيلة للنبي _صلى الله عليه وسلم_ بغلة بيضاء وكساه بردًا ..".
3 -وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما- كنّا مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ ثلاثين ومائة، فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_ هل مع أحد منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعُجن ثم جاء رجل مشرك مُشعان طويل بغنم يسوقها، فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_:"أبيع أم عطية؟"، أو قال:"أم هبة؟"قال: لا بل بيع ... الحديث.
وجه الدلالة:
قوله:"أبيع أم عطية؟"وفي اللفظ الآخر"أم هبة"؟
وهذا يدل على جواز قبول الهدية من المشرك؛ لأنها بمثابة الهبة والعطية.
قال ابن القيم في (الزاد 1/ 122) :"وأهدى المقوقس ملك الإسكندرية للنبي _صلى الله عليه وسلم_ مارية وأختيها سيرين وقيسرى فتسرى مارية، ووهب سيرين لحسان بن ثابت، وأهدى له جارية أخرى وألف مثقال ذهبًا وغيرها"ا. هـ مختصرًا.
القول الثاني: عدم جواز قبول هدية المشرك:
واستدل هؤلاء بحديث عياض بن حمار - رضي الله عنه - أنه أهدى للنبي _صلى الله عليه وسلم_ هدية أو ناقة، فقال النبي _صلى الله عليه وسلم _"أسلمت؟ قال: لا. قال: إنّي نُهيت عن زَبْد المشركين". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.
قال الشوكاني في (نيل الأوطار 6/ 4) :"وفي الباب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عند موسى بن عقبة في المغازي، أنّ عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وهو مشرك فأهدى له، فقال: إنّي لا أقبل هدية مشرك".
قال الحافظ في (الفتح 5/ 273) :"الحديث رجاله ثقات إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهم عن الزهري ولا يصح"ا. هـ.
قلت: وقد نقل الشوكاني عن الخطابي ما نصه:
في رد هديته - أي هدية عياض - وجهان:
أحدهما: أن يغيظه برد الهدية فيمتعض منه فيحمله ذلك على الإسلام، والآخر أنّ للهدية موضعًا من القلب، وقد روي"تهادوا تحابوا"، ولا يجوز عليه _صلى الله عليه وسلم_ أن يميل بقلبه إلى مشرك فردّ الهدية قطعًا لسبب الميل"."
قلت: وقد سلك بعض أهل العلم إزاء هذه الأدلة المتعارضة مسلك الجمع وسلك آخرون مسلك ا لنسخ، فقالوا: أدلة الإباحة ناسخة لأدلة المنع، وإليك البيان:
قال ابن حجر (5/ 273) :"فجمع بينها الطبري - أي: أدلة الجواز والمنع - بأنّ الامتناع فيما أهدي له خاصة - أي: النبي عليه السلام - والقبول فيما أهدي للمسلمين وفيه نظر لأنّ من جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له خاصة وجمع غيره بأنّ الامتناع في حقّ من يريد بهديته التودد والموالاة والقبول في حقّ من يرجى تأنيسه وتأليفه على الإسلام، وهذا أقوى من الأول، وقيل: يحمل القبول على من كان من أهل الكتاب، والرد على من كان من أهل الأوثان، وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأنّ ذلك من خصائصه، ومنهم من ادعى نسخ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكس، وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص. ا. هـ."
قلت: ودعوى النسخ التي منعها ابن حجر - رحمه الله - قد أثبتها غيره كابن حزم القائل في (المحلى9/ 159) :"فإن قيل: فأين أنتم عمّا رويتم من طريق ابن الشخير عن عياض بن حمار أنه أهدى إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ هدية، فقال:"أسلمت؟ قلت: لا. قال: إنّي نهيت عن زبد المشركين". ومن طريق الحسين عن عياض بن حمار مثله، وقال: فأبى أن يقبلها. قال الحسن: زبد المشركين رفدهم."
قلنا: هذا منسوخ بخبر أبي حُميد الذي ذكرنا؛ لأنّه كان في تبوك، وكان إسلام عياض قبل تبوك، وبالله _تعالى_ التوفيق.
قلت: وكذا قال بالنسخ الإمام الخطابي _رحمه الله_ في تعليقه على سنن أبي داود، وينظر: فقه السنة لسيد سابق _رحمه الله_ (3/ 537) .
المبحث الرابع: الإهداء إلى المشرك:
الأصل في الإهداء للمشركين الجواز، وفي ذلك أحاديث صحيحة، منها:
أخرج الشيخان من حديث ابن عمر قال: رأى عمر حُلّة على رجل تباع، فقال للنبي _صلى الله عليه وسلم_: ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد، فقال:"إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة، فأتى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ منها بحلل فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها، وقد قلت فيها ما قلت؟ فقال:"إنّي لم أكسكها لتلبسها .. تبيعها أو تكسوها، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم.
قال النووي في شرحه على مسلم:"جواز إهداء المسلم إلى المشرك ثوبًا وغيره وأخرجا كذلك عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: يا رسول الله قدمت علي أُمّي وهي مشركة في عهد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فاستفتيت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قالت: يا رسول الله، إنّ أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمّك."