قلت: وفي هذه الأدلة وغيرها ما يفيد جواز الإهداء إلى المشرك والكافر بضوابط سيأتي ذكرها قريبًا _إن شاء الله_.
المبحث الخامس: ضوابط قبول هدايا المشركين والإهداء إليهم:
1 -ألاّ يترتب على قبول الهدية أو إهدائها مودة أو محبة؛ لقوله _تعالى_:"لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ..." (المجادلة: من الآية22) .
2 -ألاّ تكون الهدية بمثابة الرشوة كأن يكون المُهدى إليه قد أهدي إليه بسبب توليه منصب أو جاه أو وظيفة يستفاد منها في إنجاز غرض غير مشروع كإحقاق باطل أو إبطال حق.
قال الجصاص في تفسيره (2/ 234) تعليقًا على حديث ابن اللتبية المشهور"وقد دلّ على هذا المعنى قول النبي _صلى الله عليه وسلم_:"هلا جلس في بيت أبيه وأمه فنظر أيهدى له أم لا؟"."
فأخبر أنه إنّما أُهدي له؛ لأنه عمل ولولا أنه عامل لم يهدَ له، وقد روي أنّ بنت ملك الروم أهدت لأم كلثوم بنت علي امرأة عمر؛ فردها عمر ومنع قبولها"ا. هـ."
3 -ألاّ تكون الهدية ممّا يستعان به على الباطل من شرك أو كفر أو بدع أو معاصي كإهداء الصلبان أو الشموع للنصارى في أعيادهم وغيرها، أو إهداء آلات الطرب والغناء ونحوها.
وبهذا المعنى منع إهداء الكفار والمشركين في أعيادهم حتى لا تكون تشجيعًا لهم وإقرارًا على باطلهم، فإن كان الإهداء لهم في يوم عيدهم تعظيمًا لليوم فهو جدّ خطير.
قال أبو حفص الحنفي:"من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيمًا لليوم فقد كفر بالله _تعالى_" (فتح الباري 2/ 315) .
4 -أن يغلب على الظن وجود مصلحة في الإهداء إلى الكافر أو قبول الهدية منه كتأليف قلبه على الإسلام وتحبيب الدين إلى نفسه.
فقد جعل الشارع الحكيم أحد مصارف الزكاة دفعها إلى المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وهي فريضة واجبة، فكيف بالهدية المندوبة في أصلها؟
5 -ألا يترتب على الإهداء إلى الكافر أو قبول الهدية منه مفسدة ظاهرة كاستكبار الكافر واستعلائه، أو تكون الهدية للكافر مبالغ فيها؛ لعموم النهي عن التبذير.
6 -ألا يترتب على الإهداء إلى الكافر تفويت مصلحة راجحة كسد حاجة مسلم مضطر؛ لأنّ البدء بالأهم فالأهم منهج شرعي حكيم وعام.
ويدل عليه حديث بعثِ معاذ _رضي الله عنه_ إلى اليمن حيث أوصاه _عليه السلام_ بقوله:"فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أنّ الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ..."الحديث.
المبحث السادس: تعريف التهنئة لغة واصطلاحًا:
المطلب الأول: تعريف التهنئة لغة:
قال الفيروز آبادي في القاموس:"الهَنِيءُ والمَهْنَأُ: ما أتاك بلا مشقة ... وهَنَّأَه تَهْنِئَةً وتَهْنِيئًا: ضد عزّاهُ .." (انظر: القاموس، لهنيء) .
المطلب الثاني: تعريف التهنئة اصطلاحًا:
ويمكن تعريف التهنئة بمعناها الاصطلاحي بأنها:"كلام رقيق يقوله المُهنئ لمن يُهنئه في مناسبة سارة يظهر به فرحه بهذه المناسبة"
المبحث السابع: حكم قبول تهنئة الكفار للمسلمين:
لا يخلو الأمر من حالتين:
1 -إما أن يهنئونا بأعيادنا ومناسباتنا الخاصة، فهذا لا خلاف - فيما ظهر لي - بمشروعية قبوله؛ لأنهم هنّؤونا بشيء مشروع في أصل ديننا، وبالضوابط الآتي ذكرها _إن شاء الله تعالى_.
2 -وإما أن يهنؤونا بأعيادهم ومناسباتهم الدينية، فإن فعلوا فلا نجيبهم؛ لعدم شرعيتها ولما في قبولها من الإقرار لهم على باطلهم.
وفي كلام ابن عثيمين المنقول ضمن هذا البحث ما يستأنس به فيما ذهبنا إليه فليراجع.
المبحث الثامن: حكم تهنئة الكفار:
اختلف أهل العلم في حكم تهنئة الكفار، فذهب بعضهم إلى المنع، وبعضهم إلى الجواز.
قال ابن قدامة في (المقنع) :"وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان. قال في الشرح:"تهنئتهم وتعزيتهم