وهو نص يجب الوقوف عنده فلا يجوز تجاوزه إلي أخذ القيمة لأن في هذه الحال سيأخذ من الحب شيئًا غير الحب ومن الغنم شيئا غير الشاه الخ وهذا خلاف ما أمر به الحديث.
وقد ثبت عن النبي كما في صحيح مسلم"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"
وفي رواية"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد أي مردود"
1 -قال ابن قدامه في الحديث"خذ الحب من الحب"
لأن مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص فلم يجزئه كما لو أخرج الردئ مكان الجيد (المغني 3/ 66) .
2 -وقال الشوكاني في نيل الأوطار (4/ 71) :
وقد استدل بهذا الحديث من قال أنها تجب الزكاة من العين لا يعول عنها إلي القيمة إلا عند عدمها وعدم الجنس.
وقال أيضا فالحق أن الزكاة واجبة من العين لا يعدل عنها إلي القيمة إلا لعذر وقال أيضا كما في السيل الجرار: الثابت في أيام النبوة أن الزكاة كانت تؤخذ من عين المال الذي تجب فيه وذلك معلوم لا شك فيه وفي أقواله صلي الله عليه وسلم ما يرشد إلي ذلك.
ويدل عليه كقوله صلي الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلي اليمن"خذ الحب من الحب"
3 -ولأن النبي صلي الله عليه وسلم عينها من أجناس مختلفة وأقيامها مختلفة غالبا فلو كانت القيمة معتبرة لكان الواجب صاعًا من جنس ما يقابل قيمته من الأجناس الأخرى.
-قال النووري رحمه الله كما في شرح مسلم:
ذكر النبي صلي الله عليه وسلم أشياء قيمتها مختلفة وأوجب في كل نوع فيها صاعًا فدل علي أن المعتبر صاع ولا نظر إلي قيمته""
-وقال الحافظ في الفتح (4/ 437) :"وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع ما يخالفها في القيمة دل علي أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنس كان."
4 -أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير وشكرا لله علي نعمه المال والحاجات متنوعة ينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلي الفقير من كل نوع ما تدفع به حاجته ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به.
5 -قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
ولأن إخراج القيمة مخالف لعمل الصحابة رضي الله عنهما حيث كانوا يخرجونها صاعا من طعام وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي". أ هـ
وقد روي البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:"كنا نعطيها في زمان النبي صلي الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب".
قال الحافظ:
كنا نعطيها- زكاة الفطر- في زمان النبي هذا حكمه الرفع لإضافته إلي زمنه صلي الله عليه وسلم ففيه إشعار بإطلاعه علي ذلك وتقريره له ولاسيما في هذه الصورة التى كانت توضع عنده وتجمع بأمره وهو الآمر بقبضها وتفريقها وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه:"وكان رسول الله أمرني بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته قلت والله لأرفعنك إلي رسول الله وفي رواية أن كان علي تمر الصدقة".
6 -وفي حديث أنس المشهور: ومن بلغت عنده صدقة الحقه وليست عنده وعنده ابن لبون فأنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما.
-قال ابن تيمية في المنتقى:
والجُبرانات المقدرة في حديث أبي بكر تدل علي أن القيمة لا تشرع وإلا كانت تلك الجبرانات عبثا.
-قال الشوكاني في نيل الأوطار:
قوله والجبرانات بضم الجيم جمع جبران وهو ما يجبر به الشيء وهذا الحديث يدل علي أن الزكاة واجبة في العين ولو كانت القيمة هي الواجبة لكان ذكر ذلك عبثا لأنها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. فتقدير الجبران بمقدار معلوم لا يناسب تعلق الوجوب بالقيمة.
-وقال الإمام ابن قدامه في المغني:
ففي كتاب أبي بكر الذي كتبه في الصدقات
إن هذه فرائض الصدقة التى فرض رسول الله صلي الله عليه وسلم علي المسلمين التي أمر الله بها رسول صلي الله عليه وسلم فمن سئلها من المسلمين على وجهتها فليعطها. (الحديث)
-قال الحافظ:
علي وجهتها أي علي الكيفية المبينة في هذا الحديث.
7 -والقول بالقيمة فيه مخالفة للأصول من جهتين:
الجهة الأولي: أن النبي صلي الله عليه وسلم لما ذكر تلك الأصناف لم يذكر معها القيمة ولو كانت جائزة لذكرها مع ما ذكر كما ذكر العوض في زكاة الإبل وهو صلي الله عليه وسلم أشفق وأرحم بالمساكين من كل إنسان.
وهناك قاعدة ينبغي أن يتنبه لها وهي:
أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر.
وإلي هذه القاعدة المقررة يشير ابن حزم في كثير من استدلالاته بقوله تعالي"وما كان ربك نسيا"
وذلك لأنه إذا كان الله لا ينسي - سبحانه فهو منزه عن النسيان وعن كل نقص- فسكوته سبحانه أو سكوت رسول الله صلي الله عليه وسلم المبلغ عنه في معرض البيان لشيء من أفعال المكلفين عن شيء أخر يشبهه أو يجانسه لا يكون نسيانا أو ذهولًا - تعالي لله عن ذلك - ولكنه يفيد قصر الحكم عن ذلك الشيء المبين حكمه ويكون ما عداه وهو المسكوت عنه مخالفا له في الحكم.