فهرس الكتاب
ومن جهتها أكّدت وزيرة الثقافة الأرجنتينية أنّ مجمع اللغة هو الذي أصّر علي منعه من المشاركة.
وفيما يدور التساؤل حاليًا حول صحّة هذا الأمر أو عدمها، يستوقفنا تساؤل آخر، لا يقلّ أهمية، عن الدافع الحقيقي الذي دعا الرّوائي الكبير إلي اقتراح إلغاء (الإملاء) من اللغة الإسبانية. أكان ذلك نابعًا من حكمة خبير باللّغة، رأي، بعد طول التجربة، أنّ الوقت قد حان لتخليص اللغة من زوائدها غير الضرورية، وتيسير الأمور علي الناشئة من الكتّاب؟
كلاّ .. فالإملاء ليس زائدة دودية تلحق باللغة. إنّه اللغة نفسها، وعلي الكاتب أن يبذل الجهد من أجل إتقانه، إذا كان يعد نفسه للكتابة بالقلم، لا للرواية باللسان.
ما سبب دعوة ماركيز الغريبة إذن؟
السبب، ببساطة شديدة، هو ضعف ماركيز الشخصي في الإملاء، وتلك مشكلة رافقته مثل كعب أخيل طيلة حياته.
وقد اعترف ماركيز في سيرته (عشت لأروي) بضجره من الإملاء، لأنّه لا يحسنه، وروي حكاية من ماضيه الدّراسي، حين كان عليه أن يكتب الخطاب الافتتاحي لأحد احتفالات المعهد الرسمية، فقال إنّه بعد أن قابل المدير لعرض الخطاب عليه، نبّهه الأخير بفظاظة إلي عدد من الأخطاء الإملائية التي ارتكبها.
يقول ماركيز: إنّ أكثر ما أثّر بي في تلك المقابلة هو مواجهتي، مرّة أخري، لمأساتي الشخصّية في الإملاء. فأنا لم أستطع فهمه. وقد حاول أحد أساتذتي أن يوجّه إليّ الضربة القاضية، عندما قالي لي إنّ سيمون بوليفار لا يستحق كلّ تلك الأمجاد، بسبب أخطائه الإملائية. بينما حاول آخرون مواساتي بالقول إنّه داء يصيب كثيرين. وحتّي اليوم، بعد أن صار لي سبعة عشر كتابًا منشورًا، ما زال مصمّمو تجاربي المطبعية يٌشرّفونني بكياسة تصويب أخطائي الإملائية، علي أنّها مجرّد أخطاء مطبعّية!
حسنًا .. إنّها مشكلة شخصّية، كان من الممكن لماركيز أن يذلّلها بالاستيعاب، أو بالتعايش معها، ما دامت قد أصبحت علّة مزمنة، خاصّة أنّ المصحّحين لن يتخلّوا عن كياستهم أمام روائي عظيم مثله. لكنّه بدلًا من ذلك، حاول أن يتفادي المشكلة بإلغائها وكأنّها بثرة في يده وحده، وليست ضرورة حيوية للغة أمّة كاملة.
ويبدو أن ماركيز كان يحتمي بشيخوخته وبطول قامته الإبداعية، عندما واتته الجرأة علي المطالبة أخيرًا بإعدام ذلك (الإرهابي) الذي رافقه منذ الطفولة. لكن لم يدر بخلده أنّه، بعد كلّ هذا العمر وكلّ هذه الشهرة، سيواجه مَن له القدرة علي طرده، ببساطة، من الصّف!
لو كنت في مكان ماركيز لهززت يدي في وجوه سدنة اللغة الإسبانية، ولقلت لهم بمنتهي الاستخفاف: ما هذا الهراء؟ لم يبق إلاّ أن تطلبوا مني إحضار وليّ أمري. ماذا فعلت يا سنيورات حتي أستحق كلّ غضبكم هذا؟ إنّه إملاء ليس إلاّ .. مجرّد إملاء. أأهون عليكم من أجل هذا الشيء التافه؟ ماذا سيقول عنكم إخوانا العرب إذا وصل