فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 251

المقالة عنوانها (كنّا أصدقاء رائعين) وهو بالضبط ما تعكسه الصورة التي تتقدّم النصّ الذي خطّه درايفر من وحيها: تسعة أصدقاء في العشرينات من أعمارهم، مُتحلّقون حول مائدة في مطعم. جميعهم تقريبًا يبتسمون ابتسامات عريضة، وهم يتطلّعون إلي عين الكاميرا، بزهو الفتوّة المطمئنة في ربيع العمر ودعة الحياة.

غير أنّ الرّوح تدبّ تدريجيًّا في تلك الصورة الجامدة، تبعًا لسحر حركة القلم في يد الكاتب، فإذا ما وصل المرء إلي النقطة الأخيرة في الصفحة العشرين من المقالة، تجلّي له ما كان مخبوءًا وراء تلك الوجوه الناعمة المبتهجة، من مصائر عاصفة بالمحن. فإذا بأولئك الفتيان المبتسمين قد تفرّقوا علي دروب نهايات مريرة، تبدأ بالاعتقال وتمرّ بالتعذيب أو القتل، وتنتهي إلي المنافي التي اتخّذها بعضهم أوطانًا إلي الأبد، ومنهم درايفر نفسه، الذي لولا حضوره في (الصورة) وتواصله، بطريقة أو بأخري، مع مَن ضّمتهم، ولولا كفاءته الأدبية، لما تيسّر لهؤلاء الشبّان من يقدّم عنهم شهادة منصفة نظير ما بذلوه من أنفسهم من أجل الإنصاف!.

منذ السطور الأولي ينبئنا درايفر بأنَ الصورة التقطت لمناسبة احتفال أحد الأصدقاء الظاهرين فيها، بعيد ميلاده الحادي والعشرين، وذلك في مطعم صيني في كيب تاون بجنوب أفريقيا. وينبّهنا كذلك، بغيظ واضح، إلي عدم وجود أيّ شخص أسود معهم، برغم أنّ بعضهم يرتبط بصداقات مع شبّان سود، وذلك لأنّه، في ذلك الزمن، لم يكن في كيب تاون كلّها سوي مطعمين فقط يسمحان باستقبال البيض والسود معًا، ولم يكن ذلك المطعم الصيني واحدًا منهما.

ما يجمع أولئك الأصدقاء - وهم جميعًا من الأفريكان البيض - هو حدّة الوعي الإنساني لديهم بمشكلة السود في جنوب أفريقيا، ووقوفهم جميعًا ضدَ الفصل العنصري، وتدّرجهم في ذلك الموقف من التعاطف عن بعد، إلي التضامن الفعلي، إلي الاحتجاج اللفظي، إلي النضال الحقيقي الذي أورد بعضهم المهالك، وقضي علي بعضهم بالاعتقال الطويل والتعذيب، ودفع البعض الآخر للهرب إلي الخارج بعد الاعتقال، ومنهم كاتب المقالة الذي استقر نهائيًا في بريطانيا واتّخذها موطنًا له.

يختتم درايفر مقالته بكلمات مشحونة بالعاطفة، تمشي كنشيد جنائزي فوق السّطور .. هي كلمات رثاء لصديقه الظاهر في مقدّمة الصورة وهو يبتسم بعنفوان:

(عندما أنظر إلي تلك الوجوه التسعة النابضة بالحياة، فإنّ مَن أراه بكلّ وضوح هو ريك تيرنر وأتخيّل، ثانيةً، اللحظة التي قُرع فيها جرس باب بيته، فقام من الأريكة، حيث كان يجلس، وتوجّه نحو الباب الأمامي الذي كان يقف وراءه شخص مبهم يحمل بندقية .. إنني أتساءل: هل أدرك؟ هل تردّد؟ ليس هناك جواب ممكن، وليس هناك جواب ضروري) .

و تيرنر في سياق المقالة هو واحد ممّن اغتالتهم السّلطة البيضاء، بسبب نضالهم ضدّ الفصل العنصري.

وإذا كانت صورة واحدة قد حدّثتنا بكلّ هذا، فما أكثر الصور التي لم تجد راويًا يبعث الحياة فيها، وما أكثر الصور التي لم تلتقطها عدسات الكاميرات، أو أشرطة مسجّلات الصوت؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت