فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 251

ليس في الدنيا ما هو أجمل وأرقي من العدل والإنصاف والإخلاص لقضّية الإنسان. وليس في الدّنيا مَن هو أطول عمرًا ممّن ينحاز إلي هذه المعاني، حتي لو مات مبكّرًا من أجلها.

لقد أعادتني كلمات درايفر إلي مذكّرات نيلسون مانديلا الذي قدَم في أمثال هؤلاء الشبّان شهادة رائعة، يصعب أن تصدر ممّن غطس طيلة حياته في هوان العبودية تحت مقارع عنصرية البيض .. لكنّه واحد ممّن وهبهم اللّه جمال العدل والإنصاف والإخلاص لقضيّة الإنسان.

فعلي رغم كلّ ما كابده مانديلا من مرارة العذاب في سجنه البغيض طيلة سبعة وعشرين عامًا، لم يفته أن يري - ولو لثانية واحدة - براءة الإنسان الفطرية، حتي في نظرات أو سلوك بعض سجّانيه، فادّخر رؤيته تلك، علي ضآلتها - لتدعيم ثقته بالجنس الإنساني، ولترميم ذاته في أشدّ حالات انهيارها، وادّخرها كذلك لهؤلاء السجّانين كمسوّغ للصفح ونسيان الماضي من أجل التطلّع للمستقبل.

و مانديلا الذي لا يجهل أنّه أصبح أسطورة، لا يتردّد عن التأكيد علي أنّه مجرّد إنسان عاديّ صنعت ظروف الظلم أسطورته، وأنّه مدين بذلك للكثيرين ممّن لقوا حتفهم في هذه السَبيل، ولا يتورّع عن أن يضع في رأس قائمة هؤلاء الأبطال عددًا كبيرًا من البيض (الأفريكان) الذين قاتلوا وسجنوا وتشرّدوا وماتوا وهم يواجهون قومهم، من أجل تحرير مواطني جنوب أفريقيا السّود، وتحرير أرض هؤلاء من سطوة إجرام الأقلّية البيضاء.

وفي ذلك يقول مانديلا إنّه كان يقاتل من أجل رفع الظلم عن شعبه الأفريقي، لكنّ أولئك البيض كانوا يقاتلون شعبهم الأبيض من أجل رفع الظلم عن شعب مانديلا .. وشتّان بين موقف المضطر وموقف المتطوّع.

وعلي هذا فإنّ هؤلاء البيض، في نظر مانديلا، هم الأولي بوصف البطولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت