فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 251

الأخ الأكبر .. إلي الأبد!

من المؤكّد أنّ جورج أورويل عندما اخترع مصطلح (الأخ الأكبر) للتعبير عن قسوة متابعة السّلطة المستبّدة لدقائق حياة المواطن، لم يكن يقصد من إشارته لهذه الحقيقة أن يغري المجتمعات باتخّاذها برنامجًا لِلّهو والمتعة. بل هو، علي العكس من ذلك، أراد أن يثير رعب المجتمعات منها، بغية الثورة عليها وإلغائها نهائيًّا من برنامج الحياة الواقعيّة.

وإذا كان أورويل قد بني بعض أعماله الأدبية علي أساس هذه الفكرة، فإنّ صانعي فيلم ترومان شو قد ترجموها سينمائيًا بشجاعة نادرة، فوضعونا مباشرة أمام حالتنا الرّهيبة الرّاهنة كأرقام تعيش وتموت تحت وطأة رقابة السلطة الجبّارة المسيطرة، وسط ديكورات معدّة بإتقان ضمن نطاق موقع تصوير واسع يسمّي (العالم) !.

العجيب أنّ هذه الصورة المتخيّلة التي حاولت أن تعرض للناس ملخّصًا للصّورة الحقيقية البشعة التي يحيون داخل إطارها، قد استحالت إلي ملهاة يعشقها الناس ويتابعونها بدأب وشغف، عبر برامج مستنسخة في كلّ البلدان، لا تستحي من أن تحمل بفخر واعتزاز عنوان (الأخ الأكبر) ، ولا تتورّع عن الاتفاق بأجمعها علي إصابة الإنسان السَويِّ بالصدمة والشعور بالغثيان!.

ولو أنّ حياة أورويل امتدت إلي زماننا، لكان من المؤكّد أن يتساءل بمرارة: ما حاجتكم إلي تجزئة البشاعة وعرضها كنماذج مقلَّدة في أكثر من مكان؟ إنكم تعيشونها في الواقع فعلًا، وفي مكان واحد هو عالمكم المُدجَّن.

عندما شاهدت فيلم ترومان شو أدهشتني شجاعة منتجيه، وأسعدني أن أري السينما الأمريكيّة وهي تقتحم، بهذه القوّة، مجال إثارة الوعي بدلًا من تغييبه. وزعمت أنّه يكفي هذا الفيلم نجاحًا أنّه حمل الي الناس رسالة مهمّة وضرورية، واستطاع، بشكل ذكيّ ومقنع، أن يضعهم أمام حقيقة وجودهم المخيفة محليًّا ودوليًّا.

لكن لم يخطر في بالي مطلقًا أن يكون مُلِهما بصورة عكسية، ولم أتوقّع أن يبلغ شغف القطعان بالزّريبة المتخيّلَة حدًّا يدعوها إلي إعادة انتاجها ووضعها ثانية داخل الزّريبة المخيفة القائمة أصلًا في الواقع، علي نسق الدُّمي الروسيّة!

فها هو برنامج (الأخ الأكبر) بنسخته الألمانيّة، يبشّرنا بأنّه سيقفز، في الربيع المقبل، قفزة عملاقة، بافتتاح مدينة صغيرة علي أرض الواقع، تحاكي بالضبط مدينة فيلم ترومان شو!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت