فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 251

أمّا بالنّسبة لي، فأنا أعرف حتّي الآن أنّني سَميّ ثلاثة أشخاص، منهم موظّف كبير في الطيران السَعودي، وشاعر شعبي قطري، ولاعب كرة قدم كويتي.

وأنا سعيد لأنّ أحدًا منهم لم يسبّب لي أيّة مشكلة. لكنني سأكون أكثر سعادة إذا علمت أنَ اسمي لم يُلحق بأحدهم أيّ أذي!.

منبع الخوف

في سالف الأعوام، كان صاحبنا إبراهيم يقطع المسافة الطويلة المظلمة بين محلّتنا والمحّلة المجاورة، وهو يركض بسرعة، مطلقًا صرخات متنوّعة عالية ومتلاحقة. حكمته في ذلك هي أنّه لكي لا يخاف، كان يوهم الخوف بأنّه ليس وحده، بل أنّ هناك حشدًا من الناس يركض معه ويصرخ.

عندما سمع عبدون الزبّال بذلك ضحك كثيرًا، وتساءل بدهشة: لماذا يخاف هذا الولد الغبيّ من وحدته؟ كان حَرّيًا به أن يشعر بالخوف أكثر لوجود هذا الحشد من الناس الرّاكضين معه!

كانت مارلين ديتريتش ساحرة السينما الأمريكية في مطلع القرن العشرين، قد بلغت أرذل العمر، حين سألها صحفي من وراء الباب الذي رفضت فتحه، عمّا إذا كانت تخشي الموت، فأجابت بلا تردّد: الموت؟ كلاّ، علي الإطلاق. إن ما أخشاه هو الحياة!

ومثلها، في مصر، كانت النجمة فاطمة رشدي بطلة فيلم (العزيمة) قد رفضت في أعوامها الأخيرة أن تفتح بابها لأحد من الناس، حيث وجدت أن الوحدة هي ملاذها الآمن من الآخرين.

وليس بعيدًا ذلك المغزي العميق الذي سجّله الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر حين كتبَ عن المذنب الذي حُكمَ عليه، يوم الحساب، بالذهاب إلي الجحيم، فوجد أنّ الجحيم مكان جميل ومريح وفيه كل ما يحتاجه المرء، لكنّه كان أيضًا يكتظ بالناس المناكفين الذين يُحوّلون حياة بعضهم البعض إلي عذاب حقيقي لا يُطاق، فاكتشف، عندئذ، أنّ الجحيم هو (الآخرون) ! عبدون الزبّال، ومارلين ديتريتش، وفاطمة رشدي، وجان بول سارتر، علي رغم تباعد الأزمنة والأماكن، توصّلوا إلي النتيجة نفسها، بعد أن وقفوا أمامها وجهًا لوجه، وأدركوها جيّدًا.

لكنّّ إبراهيم المسكين حين توصّل إليها فيما بعد، لم يتسع له الوقت أبدًا، لكي يدركها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت