فهرس الكتاب
ولأنّ الشارع كان يبدو له مزدحمًا بعدد هائل من هؤلاء المجانين الذين يقودون سيّاراتهم في الاتّجاه غير الصّحيح، فإنّ الرّجل الثمانيني الحكيم ما أن رأي دورية للشرطة متوقّفة علي جانب الطريق حتي توقّف
وعبّر لهم عن شكواه من مخالفة السّائقين الأخرين! بلطف شديد، انتزع رجال الدوريّة مفاتيح سيّارة العجوز، ثمّ أوصلوه بسيّارتهم إلي بيته.
تلك كانت هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ الرّجل من نفسه، وإنقاذ النَاس من رعونته.
ومع أنّ حجم الكارثة التي كان ممكنًا أن تتسبّب فيها قيادة هذا الرّجل، يظلّ صغيرًا جدًّا بالمقارنة مع قيادة أمثاله لأوطان بكامل ما فيها من ملايين البشر، فإننّا إذ نضحك ساخرين من رعونة العجوز، نشعر بكلّ عار الدّنيا، ونصرخ مُحتجّين، إذا ما انتزعت دورية - أيّة دوريّة- مفاتيح القيادة من سائق مجنون يقود الوطن بأكمله علي طريق الهلاك المحقّق!
من حُسن حظّ الرّجل السويسري الثّمانيني أنّه لم يصطحب معه هيئة قضائية تشجب تصرّف رجال الشّرطة.
ومن حُسن حظّ النّاس أنّه لم يسحب وراءه قطيعًا من العُربان المُسمَّنين بالكوبونات، ليتظاهروا تضامنًا معه، مستنكرين أن تغلق الدوريّة حنفية (الرّوح والدّم) التي فتحوها علي آخرها فداءً لكوارثه المقدّسة.
فالواضح من مجري حكاية العجوز السويسري أنّه استسلم في النهاية وأذعن للشرطة، لكنّ الأمر، للأسف، لا يجري بمثل هذه السهولة مع سائقي الأوطان المجانين.
فبالأمس، مثلًا، شاهدت، علي شاشة التلفزيون، جزّار شيلي البغيض (أوغستوبينوشيه) الذي كاد يبلغ التّسعين، وهو يُصرّح قائلًا: (إنّهم يريدون مِنّي الاعتذار عمّا فعلته. لكن ماذا فعلت لكي أعتذر؟!)
إنّه برغم انتزاعه لآلاف الأرواح، وبرغم أنّ الدورية قد سحبت منه المفاتيح ورخصة القيادة منذ عدّة أعوام، وبرغم كونه يستحق الإعدام ألف مرّة، لقاء حوادث القتل التي ارتكبها .. ما زال يعتقد أنّه كان يسير في الاتجّاه الصحيح، وأنّ جميع ضحاياه الأموات والأحياء، هم السّائرون في الاتَجاه الخطأ!
قائد الطيّارة الورقيّة
علي أحد رفوف قسم الرّوايات والقصص بإحدي المكتبات اللندنيّة الكبري، لفت انتباهي كتاب متوسّط الحجم طُويَ غلافه من منتصفه بورقة حمراء عريضة كادت تأكل العنوان كلّه وصورة الغلاف.
التقطت الكتاب، فوجدت أنّ الورقة تتضّمن سطورًا بقلم الرّوائية الشيليّة (إيزابيل أللّيندي) تقول فيها:
(رائعة .. إنَّها واحدة من تلك القصص التي لا تُنسي، والتي تبقي منطبعة في النّفس علي مدي سنوات.