فهرس الكتاب
قلت لها وأنا أجري: (سأعود حالًا .. غطيّه واحرسيه من الذّباب) .
استقبلتني (أمّ جواد) متهلّلة عند باب البيت، وجرّتني من يدي إلي الدّاخل قائلة مثل كلّ مرّة:
(تعال .. جاءك رزق) .
كنت أعرف هذا، لكنّ تصريحها كان يسعدني دائمًا لأنّه تأكيد مسبق علي أنّ الأمر لن يكون لوجه الله.
طلبت منّي الجلوس علي البساط، فجلست، ومضت هي إلي زاوية الحجرة، وغمست يدها في صندوق من الكرتون، ما لبثت أن أخرجت منه مظروفًا وقلمًا ودفترًا مدرسيًّا. عادت لتجلس قبالتي. رمت المظروف والقلم في حجري، وانتزعت ورقة من الدفتر ثم سوتها فوقه ووضعته فوق ركبتي.
قالت بعجلة ولهفة: (اكتبْ) .
أمسكت القلم وانتظرت.
رصّتْ قبضتها علي خدّها، وتنهّدت قائلة: (بسم الله الرحمن الرحيم .. صباح الخير. إن كان صباحًا .. ومساء الخير إن كان مساء .. حضرة جناب الأخ المحترم والدي العزيز أبو زهرة .. ) توقّفتُ عن الكتابة.
نخزتني بسبّابتها محتجة ومستحثة: (اكتبْ) .
قلت لها: (خالتي أم جواد .. كيف يصير جناب الأخ والدك؟!) .
قالت: (ما عليك .. هكذا كان عمي يكتب له) .
قلت لها: (لكنه أخوه!) .
قالت بحسم: (وهل أنا من فطر الحائط؟ أنا أيضًا ابنته .. اكتبْ) .
خشيت أن أواصل الجدل فيضيع رزقي، فعملت بكل ما أملكه من رداءة في الإملاء علي تصريف طوفان أحزانها ولوعتها وشكواها من نزق جواد وهادي، ومن فراق زوجها الجندي الذي لا تُرجي عودته من حرب الشمال، ومن عداوة الجيران، ومن سوء كل شيء تقريبًا.
وحين انتهيت، ورفعت رأسي عن الورقة، رأيت عينيها الحمراوين طافحتين بالدّموع.