فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 251

لا يهمني أن تظل قضية قبرص بلا حل الي أبد الآبدين، لكنني، مع ذلك، مضطر الي متابعة تطوراتها بسبب اضطراري الي حلاقة شعري كل شهر ذلك لأن حلاقي قبرصي يوناني، وهو ينتظرني بفارغ الصبر ليناقش معي، حال جلوسي علي الكرسي، آخر مستجدات تلك القضية، ولابد لي من مجاراته، لكي أستطيع من خلال تعاطفي ان ألفت نظره، بين الحين والآخر، الي الاهتمام بالقضية ذات الأولوية التي جئت من أجلها: حلاقة شعري!

كان ولدي بصحبتي حين توجهت الي الحلاق في المرة الأخيرة، ووجدتني أشكو اليه بثّي كأنني مقبل علي كارثة:

-لا أدري ماذا أصنع؟ إن اسابيع مرضي الطويلة شغلتني عن متابعة أهم ما يتعلق بقضية بلادي، فما بالك بقضية قبرص؟

تساءل ولدي بدهشة:

-وما شأنك بقبرص؟!

قلت له:

إنه شأني يا ولدي .. وستري ان صديقي جورج سيبدأ المعزوفة حتي قبل أن أجلس علي الكرسي. إن شعري مبرمج علي ذلك، إذ لا يمكن لجورج ان يقص لي شعري دون ان يقص علي قضيته. بادرني ولدي بطوق نجاة:

-اسبقه أنت هذه المرة. اخترع فاجعة من أي نوع واشغله بها حتي النهاية.

وجدتها فكرة جيدة، فبدأت أبرم خيوط مأساة قابلة للاستطالة، حتي اذا دخلنا الصالون ووجدناه خاليًا من الزبائن، ساورني القلق، فهمست لولدي:

-لن يكون متعجلًا. لديه وقت كاف لأخذ حصة وافرة من الكلام.

حييت جورج، وانطلقت رأسًا نحو المغسلة، فتبعني وهو يسألني عن الأحوال، وتلك هي عادته قبل ان يبدأ العزف .. فاغتنمت الفرصة حالًا واطلقت زفرة حارقة:

-أوه يا جورج .. لا تسأل. إنها كارثة. كارثة بكل المعاني. لم يبق لي من كل اسرتي سوي أمي، وهي عجوز متهالكة لا أظنها ستعيش بعد هذه الصدمة. تباطأ جورج وهو يصب الشامبو في كفه استعدادًا لفرك شعري، وتساءل بهلع واضح:

-ماذا حدث؟!

قلت له وأنا اخفي ابتسامتي في قعر المغلسة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت