فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 251

-لا أدري من أين أبدأ .. لقد وقع انفجار في البصرة فأودي بحياة جميع أهلنا في العمارة.

صفر جورج متأثرًا وأبدي جميع ألوان الحزن والأسي وكفت يداه عن فرك شعري، لكنني في اللحظة نفسها، كنت مشفقًا علي ولدي الذي أعلم انه كان يحاول جاهدًا ان يكتم ضحكته. فالمسافة بين البصرة والعمارة تستغرق ساعتين بالسيارة، اذا انطلقت بأقصي سرعتها. قلت بحسرة:

-شكرًا لله علي أن أمي لم تكن في العمارة عند وقوع الانفجار. لا أحد يعلم علي وجه اليقين من هم الأوغاد الذين وراءه.

فرك جورج شعري بعصبية، ومضي الي التضامن معي الي أقصي حد، اذ بادر متطوعًا بأريحية الي كشف الغموض عن هذه القضية.

-إنهم الأتراك .. صدقني. هذا ما يفعلونه دائمًا. انهم يغتنمون أية فرصة لكي يقوموا بالتخريب، ولا تنس ان الأبواب مشرعة امامهم بسبب علاقتهم القوية بأمريكا واسرائيل. سلني عنهم.

ثم لف شعري المبلل بالمنشفة وقادني الي الكرسي قائلًا:

-من باعتقادك وراء الانفجارات الأخيرة في أثينا؟ انهم هم .. لقد ساءهم ان يصوت القبارصة اليونانيون ضد انضمامهم الي الاتحاد الأوروبي. هم يحسبوننا أغبياء لنقول نعم .. كلا، عليهم ان يدفعوا الثمن أولًا برفع أيديهم عنا. نحن القبارصة اليونانيين والأتراك لا شأن لنا بتركيا .. ليرفعوا أيديهم عنا.

ومضي يطقطق بالمقص ليصنع توازنًا بينه وبين طقطقة فكيه.

ولمحت في المرآه وجه ولدي، ورأيته يرفع يديه وحاجبيه معًا، اشارة الي ان لا فائدة علي الاطلاق من طوق النجاة، الأمر الذي حفزني علي مقاومة الغرق بكل ما أوتيت من قوة، فخبطت الموج بيد العاريتين، محولًا الموضوع نحو جهة بعيدة جدًا:

اسمع يا صديقي جورج .. لدينا نكتة تروي عن صاحب الجمل. إنه تلميذ مهووس بالجمل، فمهما كان موضوع درس الانشاء فانه لابد ان يتحول بين يديه الي حديث عن الجمل .. وقد وجد المدرس ان الحل الوحيد لهذه المعضلة هو ان يوجه التلاميذ لكتابة موضوع عن الكمبيوتر، فبدأ صاحبنا موضوعه قائلًا: إن الكمبيوتر جهاز الكتروني حديث قد انتشر في جميع مدن العالم، لكنه لم يصل الي الصحراء، فأهل الصحراء لا يتمتعون بخدمة الكهرباء، وهم يعيشون متنقلين طلبًا للعشب، ووسيلة نقلهم هو الجمل، والجمل حيوان يستطيع ان يختزن في جوفه الماء والطعام لفترة طويلة .. وهكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت