فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 251

وإذا علمنا أنّ قصّة لاشين كانت لا تستقر علي الورق إلاّ بعد مخاضات كثيرة، تبدأ من اشتغاله عليها ذهنيًا، ثم روايتها للعديد من أصدقائه الأدباء، ثمّ المضي بها تقليبًا وتعديلًا وتشذيبًا حتي مستودعها الأخير، فإننا سنعلم مقدار ما كابده من جهد في كتابة قصّته الأولي (صَح) حيث لم يكن أمامه أيّ نموذج عربي لقصّة حديثة مكتملة الشروط كأختها الأوروبية التي سبقتها إلي التأسيس والاكتمال بعقود طويلة.

إنّ قصة (صَح) التي كتبها لاشين قبل ثمانين عامًا، تُعدّ نموذجًا رائعًا للقصّة الحديثة، حتي بمقاييس أيّامنا، حيث استنفدت الأجيال اللاّحقة كلّ جهدها في التجريب، وبلغت بالقصّة أقصي ما تستطيع من آفاق التطوّر.

يحكي لاشين في (صَح) قصّة مدرّس حساب رفيع الخلق، يموت شقيقه فيضطر إلي الاقتران بأرملته، ليكفل لها الكرامة والستر، وليكفل لولدها ما يستحق من الرعاية. ويبلغ الولد مبلغ الشباب ويدخل في سلك الموظفين بعد إتمامه الدّراسة، لكنّه يبقي مقيمًا مع عمّه الذي أحاطه وأمّه دومًا بالرعاية الحقّة.

وحين تموت الزوّجة، يخلو البيت ممّن يقوم علي شؤونهما، فيستأذن العم ابن أخيه، قبل أن يتزوج بامرأة ثانية، فلا يتردّد الشاب في الموافقة.

وهنا تبدأ عقدة القصّة، حيث تكون الزوجة الجديدة شابة، فيخفق قلبها بحبّ الفتي، ويخفق قلب الفتي بحبّها، لكنّهما يكبحان جماح نفسيهما، لأنهّما برغم قوّة المشاعر الفطرية، يحبّان الرّجل حبًّا جمًّا، ويعترفان بنبله وفضله، ويحترمانه إلي أبعد حد.

ولكي يقمع أية زلة محتملة، يقرر الفتي في النهاية أن يغادر المنزل، وحين يصارح عمّه برغبته في السفر إلي بلد آخر لتغيير الجوّ، لا يقتنع الأخير بتلك الأسباب، ويحاول، فيما هو منهمك بتصحيح الدفاتر، أن يثنيه عن عزمه، طالبًا منه أن يتريّث ويفكّر في الموضوع.

وينقلب الفتي إلي حجرته، فتهمس له الزوجة من وراء الباب شبه باكية، متوسّلة إليه ألاّ يسافر، فيُدخلها بسرعة، ليصارحها بأنّه متعلّق بها، وهو يعلم أنّها متعلقة به أيضًا، لكنّه مستعد لمكابدة الأهوال، علي أن يسيء إلي عمّه صاحب الفضل عليه. فتعترف له بأنّها تحترم زوجها كثيرًا، ولا يمكن أن تُقدم علي اقتراف أيّ فعل يُسيء إليه .. لكنّ أمر المحبّة ليس في يدها.

وفي تلك اللحظة، يقرع باب الحجرة، ويلوح العم وراء الباب.

كان العم قد سمع كلّ شيء، لكنّه يحاول جاهدًا أن يُعقل عواصف نفسه. وبعد إطراقة صمت طويلة محتدمة بالمشاعر المتضاربة، يقول لهما إنّ الذنب ليس ذنبهما، وعليهما أن يأويا إلي فراشيهما، وفي الصباح سيكون لكلّ حادث حديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت