فهرس الكتاب
ويعود إلي تصحيح دفاتر الامتحانات، حانقًا حائرًا مثقلًا بالأفكار السوداء، لكنّ صدمته ما تلبث، علي مرّ السّاعات، أن تفتر، وما يلبث الصفاء أن يعاود نفسه، فيقرّر بعد تأمّل طويل أنّ ما حدث ليس غريبًا، ويقول في سرّه: (الشابّة للشاب .. وهذا هو قانون الفطرة) .
ويتناول أوّل دفتر أمامه، فيفتحه، ويكتب تحت الإجابة بضربة حادّة: (صَح) .
هكذا تنتهي القصّة كما نشرت في مجلة (الفنون) عام 1924.
لكن يبدو أنّ طاهر لاشين المولع بالتغيير والتعديل، قد أعاد التفكير بجدّية في القصّة، ورأي، بعد عام من نشرها، أنّه قد تعسّف في إجراء مثل تلك النهاية وتمعن في شخصيات القصة فوجدها جميعًا شخصيّات بريئة لم تقترف إحداها جرمًا يقتضي أن يُنصّب نفسه قاضيًا قاسيًا مبرم الأحكام، ليصدر الحكم سريعًا وباترًا لصالح إحداها علي الأخري.
قاريء لاشين يعرف أنّه يحبّ جميع شخصيات قصصه، حتي الخاطئة والمجرمة منها، ويعاملها بحيادية نابعة من عطفه علي ضعف الإنسان. فكيف يمكن لكاتب كهذا أن يقترف جريرة إبداء حكم قاطع في قضيّة جميع أطرافها أبرياء يواجهون قدرًا لا حيلة لهم أمامه؟
يبدو أنّ مخاض تأنيب الضمير، قد أفلح بعد عام من نشر القصّة في دفع لاشين إلي نقض الحكم، فإذا بالقصّة نفسها تظهر منشورة مرّة أخري في مجلّة (الفجر) عام،1925 لكن بزيادة سطرين علي أوّلها، وبحذف نهايتها تمامًا .. ليكون عنوانها (قصّة بلا نهاية) !.
القصّة بصورتها الجديدة، تكشف عن حدّة موهبة لاشين، وعظيم مهارته في التجريب، وشدّة براعته في توجيه الصياغة والموضوع وجهة أخري، برغم عدم اختلاف النصّ الثاني عن الأوّل إلاّ بلمسات طفيفة.
ففي القصّة التي لم تنته يكون الرّاوي قد اشتري طعامًا في قرطاس، وبعدما استكمل التهامه، فرَدَ القرطاس فإذا هو ورقة من مجلة قديمة طبعت عليها القصّة ذاتها، فقرأها كما هي، لكن عندما يصل إلي مشهد مواجهة العمّ للشّابين تكون السطور في الورقة قد انتهت .. وربّما كانت تكملتها موجودة في ورقة أخري من المجلة نفسها، وقد تحوّلت بدورها لدي البائع إلي قرطاس آخر بيعَ فيه الطعام إلي زبون آخر.
أيُّ براعة!
لقد تخلّص من النهاية تمامًا بهذه الحيلة الفنية الجميلة، ونأي بنفسه عن التدّخل في أقدار شخصياته.
لكنّ المشكلة أنّ هذه البراعة المذهلة لا يظهر سحرها إلاّ بقراءة النصّين معًا ..