فهرس الكتاب
يقول البيك: ليس عند إنسان هذه المنطقة طبيب، ولا قابلة، ولا دواء، ولا عمل، ولا نقود .. وعندما لا يكون عنده شيء يقول لو كان عندي شيخ علي الأقل.
ونعلم أن سبب زوال الشيخ القديم هو أنه حمي عصابة إجرام وخبّأ أفرادها عنده، بينما كان القائمقام التابع للمالك قد قضي علي كل عصابات قطاع الطرق، وأبقي علي عصابة واحدة فقط لسد حاجة المنطقة للمجرمين!، ولذلك فقد وبّخ الشيخ السابق قائلًا: كيف تحمي عصابة مجرمين، بينما لدينا عصابتنا؟ ثم طرده من المشيخة بتهمة معارضة الجمهورية والثورة!
المستفاد من تلك الحكاية هو أن ادّعاء المشيخة والكرامات أمام البسطاء المغفلين أمر جائز بل مطلوب جدًا، لضمان مصلحة المالك .. لكن الأمر ينبغي ألا يخرج عن هذا الإطار، كأن يصدق المحتال أنه شيخ حقيقي، فيصطدم عنوة بالمالك الذي اخترعه وثبت إدعاءه .. لأنه، حينئذ، سيخرج من كراماته الموهومة بركلة حقيقية علي مؤخرته بتهمة خيانة الجمهورية والثورة!
أتأمل مشهد المالك مع الشيخ العرياني، فتحضر في ذهني طائفة من الشيوخ العريانين المتناثرين علي طول الخريطة التي تضم القري وأُمّها أيضًا، في نسق غير متناسق من اللغات والسحنات والأزياء.
وحسبنا أن نتذكّر، علي سبيل المثال، نورييغا بنما، وجرذ تكريت، والبهلوان الأخضر، كنماذج للذين يرفعون عصيّهم، بكل بسالة، لقطعان البشر في القري التي هم رعاتها .. لكنهم يخفضون مؤخراتهم- بكل تهذيب- لعصا المالك الذي أكرم عريهم بالمشيخة، ونثرهم كالنجوم في مربع أزرق وضع تحته خطوطًا حمراء، تذكيرًا بالمصير الدامي لمن يجتاز حدوده، ولا يواصل السير علي الصراط المستقيم!