فهرس الكتاب
التّهمة!
العجائب البريطانية لا تنتهي.
منذ جئتها، في منتصف الثمانينات، وأنا أشهد في عالم سياستها، كلّ يوم، ما يشهده الريفي عند دخوله المدينة لأوّل مرّة.
رأيت القيادات الحاكمة تتعرّي في كلّ موسم، مثل الأشجار، لتتحلّي بأوراق ربيعيّة جديدة. وذلك عجب لم يضارعه إلاّ العجب من رؤيتي لقيادات المعارضة وهي تتعرّي كنقيضتها، مؤمنة مثلها، وياللهول، بضرورة استمرار دورة الفصول.
في هذه المدّة الوجيزة بحساب التاريخ، رأيت خمسة قادة لحزب المحافظين يتعاقبون مثل دوالي الناعور، ورأيت علي الجانب الآخر أربعة قادة لحزب العمال يتعاقبون بسلاسة دوران عقارب الساعة.
أمّا الحزب الثالث الوسيط الراكض خلفهما بقوّة، وهو حزب الأحرار الديمقراطيين، فلم يتخلّف عنهما فبعد اثنين من قادته التاريخيين أخلي المكان لرجل أكثر قوّة وشبابًا هو بادي أشداون، ولم يلبث الأخير وهو في عزّ قوّته وتألقه، أن وقف جانبًا مخليًا الطريق لقائد جديد أكثر منه شبابًا وهمة هو تشارلز كيندي الذي لم يقصّر أبدًا، إذ أفلح في فترة وجيزة في أن ينمّي التقدّم الذي أحرزه سلفه، وأن يجعل من حزبه رقمًا صعبًا في الانتخابات البريطانية.
تلك الأعاجيب شكّلت، بالنسبة لي، أعجوبة كبري مُلخّصها أنّ البريطانيين مُتخلّفون عنّا بسنوات ضوئية .. فهم مع إيمانهم بالقيادة التاريخيّة يجهلون تمامًا كيفية جعلها قيادة جغرافية أيضًا، بحيث تلتصق في مواقعها بالصّمغ السوبر، متحدّية في ثباتها الزلازل والآفات والعلل الماحقة.