فهرس الكتاب
لكنّ كلّ ذلك لم يعد شيئًا مذكورًا أمام العجيبة الجديدة التي دهمتني، مؤخرًا، فأعادتني إلي مربّع الدهشة الأوّل، وأنبأتني بأنني سأظل في ما يتعلق بالسياسة البريطانية جاهلًا بامتياز مع مرتبة الشرف.
لأوّل مرّة أكتشف أنّ المرض - وهو أمر غير إرادي وغير مرغوب ولا مطلوب - يمكن أن يكون فضيحة بجلاجل بالنسبة للسياسي البريطاني، بل قد يتعدّي ذلك إلي اعتباره جنحة مخلّة بالمباديء، أو تهمة موازية لتهمة الخيانة!.
(تشارلز كيندي) قائد حزب الأحرار، شاب معافي، يعمل بهمّة تعادل همّة جميع القادة العرب منذ فجر التاريخ حتي القيامة.
لكنّه، للأسف الشديد، تورّط قبل أسابيع بارتكاب جريمة لم يغفرها له الإعلام ولا أعضاء البرلمان ولا رفاقه في الحزب.
ماذا فعل؟!
لقد أصيب الرّجل بوعكة صحيّة!
يقال إنّ فايروسًا داهم معدته فأقعده مريضًا لعدة أيام، لم يستطع خلالها حضور مناقشة الميزانية في البرلمان!.
لكنّه، مع ذلك، استطاع أن يعاند مرضه، وأن يغادر فراشه إلي المنصّة، ليلقي خطابه في مؤتمر الحزب، وهو يتصبّب عرقًا، وأنهي خطابه برغم الإعياء الشديد وانقطاع الأنفاس.
وظننت أنّه سيتلّقي المديح لبطولته هذه، أو التعاطف علي الأقل، لحرصه علي أن يكون حاضرًا وفاعلًا برغم المرض.
لكنّ الأمر كان علي النقيض، من ذلك .. لقد قامت قيامة الصحف في اليوم التالي، وأسرف المعلّقون والمحلّلون في تأنيبه علي وقوفه خطيبًا في مثل ذلك الوضع المزري، ولم يتردّد عدد من رفاقه في الحزب عن المطالبة باستقالته!.
ورأيت الرجل، بعين حانية وقلب متحرّق، وهو يحاول جاهدًا أن يدفع عن نفسه ذلك العار .. وسمعته يردّد بصوت متهدّج هو أقرب إلي البكاء منه إلي التصرّيح: (أنا لست مريضًا .. لقد أصبت بوعكة فقط .. أنا لست مريضًا) .
المسكين .. كأنّه كان يتعاطي المرض إدمانًا، أو كأنه اقترف المرض عامدًا مع سبق الإصرار والترصّد!.