فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 251

قلب كبير

ليس هناك زمان قبيح وزمان جميل .. بل هناك إنسان قبيح وإنسان جميل.

الزّمان ليس صورة ثابتة. إنه نهر صافٍ يجري بحياد، مثل المرأة، وهو في جريانه لا يُبدي صورته الخاصة، ولكن يعكس صور النّاس الذين يمرّون به، ويبقي علي حياده، علي الرّغم من اسرافهم في تحمليه صفات هذه الصّور.

ومن تلك الصّور المنعكسة علي هذه المرآة، تبدو لنا، من بعيد، صورة عام،1916 حيث تنطبع علي جانب منها مشاهد الهول والدمار وإهراق الانسان لدم أخيه الانسان، في ذروة الحرب العالمية الأولي.

لكنّنا، في الوقت نفسه، نشاهد في زاوية قصّية من الجانب الآخر فيها وجه فنّان في العشرينات من عمره، يسمّيه أصدقاؤه بيب تحبّبًا، وتعبيرًا عن براءة ملامحه الطفوليّة.

كان بيب في ذلك الوقت يعمل لدي شركة (فيم كوميدي) لإنتاج الأفلام الصّامتة في فلوريدا، وكانت أدواره ثانوية وبسيطة، لكنه ثابر من أجل ان يفوز بأدوار أكبر وأكثر تأثيرًا، دون ان ينقطع عن عمله كمغنٍّ في أحد المسارح، ليلًا، لأنّه كان يحب الغناء أكثر من أيّ شيء اخر.

وقد جمع له علمه المزدوج شعبية كبيرة، كان من نتائجها ان تضاعف راتبه لدي شركة التمثيل، فارتفع دخله بصورة كبيرة. لكنّه لم يتردّد في إنفاق ذلك الدّخل الكبير، أولًا بأوّل، ليس بدافع الإسراف والتبذير، ولكن بدافع سخائه الذي لا حدّ له، الأمر الذي جعل حتّي معارفه العابرين يستغلّون طبعه الجميل هذا، فكانوا يقترضون منه المال، علي وعد بتسديد القرض في موعد محدّد، لكنهم سرعان ما يتناسون، ببساطة، تعهدهم بالسّداد، فيما كان هو بسبب من رقّة قلبه ورهافة احساسه، لا يجرؤ، إطلاقًا، علي تذكيرهم بتلك الدّيون.

وعلي هذا المنوال كان ينفق الكثير من النقود علي الكثير من الدّيون الميّتة، بصورة لم يسبقه اليها احد، وربّما لم يلحقه بها أحد ايضًا!

إن سخاء بيب المفرط، كان نابعًا من تجربته المرّة في صباه، عندما عرف -وهو يتيم في كنف أمّ مكافحة- كيف ان كل قرش يكسبه المرء يمكن ان تكون له قيمة كبري. وعلي هذا كان يحمل في أعماقه تعاطفًا فطريًا مع أيّ انسان يعاني من ضائقة ماليّة.

كان بيب وغالبية العاملين معه في الشركة يقيمون في فندق (أتلانتك) بمنطقة جاكسونفيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت