فهرس الكتاب
تقول (آنتشي) : عندما التحقت بمدرسة السعادة الابتدائية، كانت رفيقاتي في الصفّ يسخرن منّي، لأنني كنت دائمًا، أرتدي نفس المعطف المطرّز بالثقوب من كلّ جهة، وهو أصلًا واحد من الثياب القديمة التي تلقّيتها من ابنة عمّي!
وتواصل قولها: إنّ أختي (المزهرة) كانت، في العادة، ترتدي ملابسي التي تضيق عليّ بفعل النموّ، ولكن بعد أن توضع لها رقع علي الياقات والمرافق. أمّا أختي (حجر المرجان) فقد كانت ترث الملابس نفسها من (المزهرة) بعد أن تضاف إليها رقع جديدة أخري، بحيث تبدو تلك الملابس عليها وكأنها ذائبة، برغم حرصها الشديد علي العناية بها، لعلمها بأنّ شقيقنا (فاتح الفضاء) ينتظر دوره في ارتدائها!
و (فاتح الفضاء) بحكم تأخّر دوره، كان دائمًا يرتدي أسمالًا بالية، حتّي أنّ أطفال الجيران كانوا يسمّونه (البرغوث) . وقد كان هذا يجعلني أشعر بأنني مذنبة إلي حدّ بعيد!
وعلي الرغم من ذلك، فإنّ هذه الأسرة المنفّذة حرفيًا لاشتراكية الأسمال، كان من المحتمل جدًا أن تُتّهم، بكل بساطة، بأنها (أسرة بورجوازية) ، بمجرد أن يغضب منها أيّ رفيق .. وعلي المرء أن يتخيّل ضخامة حجم هذه الاحتمالات، إذا تذكّر أن الصين كانت تعجّ بما يزيد علي مليار رفيق!
في عام 1967 انتقلت أسرة (آنتشي) من مسكنها بسبب ما كابدته من أذي الجيران في الطابق الأسفل .. إذ كان هؤلاء غاضبين علي الدّوام لكون الطابق الذي تقطنه أسرتها يتألف من غرف أكثر، ولهذا كانوا لا يتورّعون عن دلق دلاء (مخلّفاتهم) فوق أسرّة النوم في بيت آنتشي.
وظلّ أولئك الجيران يُصعّدون عدوانهم يوما بعد يوم، ويهدّدون بإيذاء الأطفال عند غياب أمهّم وأبيهم - وهما بالطبع غائبان للعمل طول اليوم - ووصلوا إلي حدّ تهيئة المسرح لارتكاب جرائم معفاة من العقاب، بقولهم إنّ ابنتهم الثانية لها تاريخ طويل في الاختلال العقلي، ولهذا فانّهم غير مسؤولين عمّا ستفعله.
تقول (آنتشي) : عندما عادت أميّ من العمل، ذات يوم، وتخطّت باب المبني إلي الداخل، قفزت (البنت الثانية) فوقها، مشهرة في وجهها مقصًّا. لقد رأيتهما تتصارعان في بئر السلّم، ثمّ تلقّت أمّي دفعة عنيفة جعلتها تترنّح وتهوي مرتطمة ببلاط الأرضية، وعلي وجهها وذراعها طعنات المقصّ. كانت صدمة بالنسبة لي. وقفت إلي جانب أميّ التي كان الدّم يتدفّق من جراحها. حاولت أن أصرخ، لكنّ صوتي كان قد هرب منّي.
أمّا (البنت الثانية) فقد نزلت إلي الطابق الأسفل، وجرحت رسغيها بمقصّها، ثم اندفعت إلي الخارج بعجلة وعنف، متوجّهة نحو حشد الفضوليين، وراحت تصرخ رافعة رسغيها الدّاميين عاليًا: انظروا إليّ .. إنني عاملة، وقد هوجمت من قبل الطبقة البورجوازية. أيّها الرّفاق، إنّها جريمة سياسيّة!
أهذه نكتة؟ ربما .. لكنني لا أراها كذلك، لأنني كعراقي أعرف كثيرًا من هذه المواقف في عهد صدام الرجيم، حيث كانت تهمة الخيانة تهدي إلي المواطن لأيّ سبب، مرفقة بطلقة وفاتورة بثمنها يتوجّب علي أهل المواطن تسديدها بعد قتله!