فهرس الكتاب
الأزاليا الحمراء 3/ 3
في صين (ماو) كان ارتفاع ضغط الدّم يُعدّ مرضًا بورجوازيًا يخاف صاحبه من أن يُضبط متلبّسًا به، ولذلك فإنّه يضطرّ إلي مواصلة العمل الشاق في أثناء نوبة الدّوار التي تعلّقه بين الحياة والموت، دون أن يجرؤ علي طلب إجازة قصيرة للرّاحة، كي لا يتّهم بتعطيل مسيرة الثورة البروليتارّية!.
وفي صين (ماو) كان الاختصاص العلمي شيئًا، والاختصاص الحزبي شيئًا آخر، وإذا وقع الخلاف في مسألة علمية دقيقة بين العالِم والمسؤول الحزبّي، فإنّ كلمة الأخير هي الرّاجحة، حتَي ولو كان هذا لا يعرف التّمييز بين الألف وكوز الذّرة!.
ترسم الكاتبة الصينيّة (آنتشي مين) في سيرتها الشخصّية (الأزاليا الحمراء) صورًا عديدة لمثل هذه الحالات في ظِلّ حكم شمولي خانق كان يُحتَم علي الإنسان أن يمشي فوق هوَة فاغرة، علي حبال أعصابه المشدودة علي الدّوام، حذر الوقوع في زلّة غير مقصودة قد تسلمه إلي العدم!.
تقول إنّ والدتها كانت تعمل مُدرّسةً، وقد طُلب منها، ذات يوم، أن تكتب شعارًا يقول (عشرة آلاف سنة من الحياة التي لا تنتهي للزّعيم ماو) .. لكنها تحت وطأة إصابتها بضغط الدّم، وعدم السّماح لها بأخذ إجازة للرّاحة، أخطأت في كتابة الشّعار، إذ نسيت - بسبب زيغ عينيها - أن تكتب كلمة (لا) المتّصلة بكلمة (تنتهي) .. وعندئذ تمّت دعوتها إلي اجتماع حزبي في اليوم التالي، لمحاكمتها عن تهمة كونها تحمل (نيّات شريرة) تقضي بمعاملتها كمجرمة!.
وفي المساء، تدبّرت (آنتشي) كتابة مرافعة لتستخدمها أمّها في الردّ علي التّهمة الموجّهة إليها، مستفيدة من أقوال (ماو) في الكتاب الأحمر المختصر الذي تحفظه عن ظهر قلب.
وممّا جاء في هذه المرافعة: إنّ الزعيم (ماو) قال: إننا يجب أن نسمح للنّاس بتصحيح أخطائهم، فذلك هو الطريق الوحيد لفهم الشيوعية العظيمة .. وعلي هذا فإنّ الخطأ الذي ارتكبته إنسانة بريئة ليس جريمة، ولكن منع هذه الإنسانة من تصحيح الخطأ هو الجريمة. بعبارة أخري إنّ عدم طاعة تعاليم (ماو) هو الجريمة.
ويبدو أنّ المسؤولين الحزبيين قد تحسّسوا رؤوسهم عند سماع هذه المرافعة، إذ أنّ والدة (آنتشي) نجت بأعجوبة من مصير أسود، بعد أن قرأتها .. لكنّها، في مناسبة أخري، لم تسعد بامتلاك مثل هذا الحظّ.