فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 251

عند وصوله إلي المدينة، يزور إحدي الصحف المحلّية للتعريف بنفسه وبما أتي من أجله، وللسؤال عن أفضل وأوسع القاعات التي يمكن أن تستوعب روّاد محاضرته، فيبلغه المحرّر المندهش بأنّ شابًا قد جاء في العام الماضي لإلقاء محاضرة ثقافية، لكنّه فوجيء بأن عدد الحاضرين لم يتجاوز أصابع اليدين، فعاد من حيث أتي بعد يومه الأوّل.

لكنّ صاحبنا الواثق من نفسه لم يُبال بذلك، وركّز اهتمامه في معرفة المبلغ المطلوب لاستئجار أكبر قاعة في المدينة. وعندئذ طمأنه المحرّر بأنّ أوسع القاعات هي قاعة البلدية، وأنّ بإمكانه أن يحدّث العمدة مباشرة في هذا الأمر.

يوافق العمدة علي تأجير القاعة للمثقف الشاب لقاء مبلغ معقول يسدّده إذا استطاع أن يحقّق ربحًا من المحاضرة.

ولأنّ صاحبنا لم يكن قادرًا علي دفع ثمن إعلانات عن المحاضرة، فقد اكتفي بتوزيع خمسمائة بطاقة شخصية كانت في حوزته أصلًا، علي الناس في الفنادق والبارات والمحّلات التجارية.

وتوفيرًا للنفقات اكتفي بالسكن في فندق رخيص جدًا تتضمن خدماته تقديم وجبة الإفطار مجّانًا.

في ذلك الفندق يتعرف بلاعب سيرك أمّي كان قد بدأ للتّو تقديم عروضه في المدينة، ويحاول هذا إغراء المثقف بالعمل معه كمعلّق علي فقرات برنامج السيرك نظرًا لقدرته، كمثقف، علي الوصف والتعبير بصورة مشوّقة وكذلك لكونه غريبًا عن المدينة، لأنّ الناس لن يثقوا بالوصف الذي يقدّمه واحد منهم يعرفونه، مثلما حصل في عرض الليلة الماضية حين اضطر لاعب السيرك إلي تكليف شاب من أهل المدينة للقيام بذلك العمل.

وفي يوم المحاضرة يستعين صاحبنا برجل للقيام بمهمة قطع تذاكر الدخول. وقبيل الموعد بقليل يمضي إلي القاعة، فتتردّد أصداء خطواته عالية في جنباتها الواسعة، ويُجيل بصره في صفوف المقاعد الكثيرة فيجدها كلّها مُتحفّفة من ثقل أيّ إنسان!.

ويُطمئن المثقّف نفسه بأنّ الموعد لم يحن بعد، لكن حتي بعد حلول الموعد ومرور وقت طويل عليه لم يحظ برؤية أيّ إنسان. وفي اللحظة التي يداخله فيها اليأس والغيظ يسمع صوت رجل آتيًا من عند شباك التذاكر، فيخرج بلهفة الفضول لرؤيته، لكنّه يُفاجأ بأنّ ذلك الرّجل هو محرّر الصحيفة التي زارها، وقد جاء لقطع تذكرة من باب التشجيع!.

وحين يتقدّم الليل دون أن يحضر أحد، يقفل صاحبنا عائدًا إلي الفندق الرخيص، مارًّا في طريقه بالمسرح الذي يقدّم فيه البهلوان عروضه، فيصدمه ازدحام الحضور، وتصفعه عواصف هياجهم وتصفيقهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت