فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أحسن الأديان، دين الإسلام، بل هو أول المسلمين كما قال تعالى: { وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [الأنعام:163] . وهو - صلى الله عليه وسلم - على خلق القرآن الكريم، ففي مسند الإمام أحمد (1) عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ:"كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } ".
وحقيقة «الخُلُق» : ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب ، فسمي خُلُقًا ، لأنه يصير كالخِلْقة في صاحبه .
وفي هذه الآية الكريمة لم يقل الله: وإنك لذو خلق، بل قال: { لعلى خلق } ؛ لأن كلمة (على) للاستعلاء ، فدل اللفظ على أنه - صلى الله عليه وسلم - مستول على الأخلاق الفاضلة العظيمة متمكنٌ منها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الجميلة كالأمير بالنسبة إلى المأمور (2) .يقول سيد قطب رحمه الله:"تجيء الشهادة الكبرى والتكريم العظيم: { وإنك لعلى خلق عظيم } .. وتتجاوب أرجاء الوجود بهذا الثناء الفريد على النبي الكريم؛ ويثبت هذا الثناء العلوي في صميم الوجود! ويعجز كل قلم ، ويعجز كل تصور ، عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود ، وهي شهادة من الله ، في ميزان الله ، لعبد الله ، يقول له فيها: { وإنَّكَ لعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ } . ومدلول الخلق العظيم هو ما هو عند الله مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين. ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد - صلى الله عليه وسلم - تبرز من نواح شتى:"
(1) / المسند (23460) .
(2) / انظر التفسير الكبير للرازي رحمه الله (30/71) .