الصفحة 48 من 72

الاستشهاد بالرُّؤيا) [1] .

و- تقديم الرؤى والأحلام على المصلحة الشرعية الراجحة:

إنَّ من الخطأ أن يرى الإنسانُ المصلحةَ في أمر يراه أو يحسُّه أو يشاهده، ويترك ذلك كلَّه بناءً على رؤيا رآها قد تكون من حديث النَّفس أو أنَّ لها تأويلًا يَختلف عمَّا ذهب إليه؛ بل حتى لو كانت تلك الرُّؤيا يغلب على الظَّنِّ صدقُها فليس له أن يقدِّمَها على المصلحة الرَّاجحة المحسوسة؛ فاليقظةُ مقدَّمةٌ على المنام، وأمَّا الرُّؤيا فيُسْتفاد منها البشارةُ والنِّذارةُ، ومَن تأمَّل هديَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك يجده قدَّم المصلحةَ الشَّرعيَّةَ في صلح الحديبية في ذلك العام، فرجع الصَّحابةُ دون أن يعتمروا مع أنَّهم كانوا مبشَّرين بتلك الرُّؤيا، وأقرب ما يكون يقينًا عندهم أنَّ الأعداءَ لن يمنعوهم؛ فشَقَّ عليهم ذلك حين منعوهم حتى قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، أولستَ تحدِّثُنا أنَّا سنأتي البيتَ ونطوف به. فقال: «بلى، هل أخبرتُك أنَّا نأتيه في هذا العام؟» فقال: لا، فقال: «فإنّك آتِيه وَمُطَّوِّفٌ بِهِ» . فلم تدفعه تلك الرُّؤيا التي هي وحيٌ من الله على أن يتركَ تلك المصلحة الشَّرعيَّة التي رآها؛ فكيف بمَن يتخلَّى عن مصالح شرعيَّة لمجرَّد رؤَى أو ظنون أو أوهام كاذبة؟ بل حتى لو اعتقد صحَّةَ رؤياه فعليه أن لا يَستعجل الأمورَ فيقع في العنت والمشقَّة؛ وإنَّما يأخذ بما تقتضيه المصلحةُ الشَّرعيَّةُ، ويترك شأنَ الرُّؤيا إن صدقت إلى تقدير الله؛ لا سيَّما أنَّ وقتَها غيرُ محدَّد بمدَّة

(1) الموافقات (1/ 114) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت