فهرس الكتاب
ومن الجهل بمكان أن يعتقد كثير من هؤلاء أن زيادة الإيمان ، وصقل الأرواح يرتكز على عبادة معينة كالزهد مثلًا ، أو قيام الليل ، فيدعون إلى مزيد التعمق ، وضده التوسع في هذين الأمرين مع عدم الالتفات إلى دعوة الناس وفضيلة الإصلاح والتقليل من شأن العلم الشرعي ، وإغفال دور النفقة والصدقة ، وعدم الشعور والتحسس بأخلاقيات مباركة ، ومرافق اجتماعية نافعة ، ومما لا شك فيه أن هذا كله سيؤول إلى مشكلة الفهم وضيق الأفق في فهم أبعاد العبادة ، ومسألة بناء الروح والنفس. وصنف آخر تتجاذبه طرق الخير من دعوة وعلم وعبادة وأخلاق ، ويريد المرتقى الأعلى فلا يستطيع الجمع بينهن أو يضيق لغلبة جانب على آخر.
وللصنف الأول وهي الطبقة الزاهدة المتشائمة من الحياة ومفاتنها ونكباتها نقول:
أولًا -…إن الزهد ليس الحل الأسلم لمسألة الأمة وضعفها وتقهقرها ، وهذا أجلى ما يكون، ليس عند المثقفين فحسب بل حتى عند نساء البادية.
ثانيًا - إن الزهد ليس في قلة الطعام واللباس بل هو ترك كل شيء لا ينفع في الآخرة وثقة القلب بما عند الله كما قرره ابن تيمية وغيره. الفتاوى (10/641) .
وكم من متزهد باللبس والكلام وليس من طلاب الآخرة ، وكم من متجمل بهي وقد امتلأ قلبه بمحبة الله ورضوانه ورجاء ما عند الله ، وفي الحديث (إن الله جميل يحب الجمال) . رواه مسلم في صحيحه.
ثالثًا -…ليس كل النفوس تستطيع الزهد وتستسيغه ، إذ الناس متفاوتون في القدرات والطاقات والآمال والرغبات ، فقد يكمن فلاح النفس وسعادتها لإنسان في طلب العلم ، وآخر منافعه في الجهاد ، وآخر في الدعوة وآخر حسن بلائه في الإحسان إلى المسلمين وقضاء حوائجهم ، وليس معنى هذا التقليل من الفرائض وحياطة النفس بالأوراد الخاصة والمحاسبة الدائمة بل هذا قدر مشترك لا يسوغ لمسلم الانفكاك عنه.