الصفحة 31 من 61

لموصوف محذوف هو الحال، أي جاؤوكم قومًا حصرت ... صدورهم [1] ، لأن إضمار الاسم عندهم أسهل من إضمار حرف المعنى [2] ، وذهب بعضهم إلى أن جعل الجملة في موضع جر، صفة لـ"قوم"في"يصلون إلى قومٍ"، ليبعد الكلام عن التقدير [3] ، وذهب آخرون إلى أن الجملة بدل اشتمال من جملة"جاؤوكم"، لأن المجىء مشتمل على الحصر [4] . وعندما اعتقد المبرد أن الجملة الفعلية التي يتصدرها فعل ماض لا تقع حالًا استعان بالتنغيم ليوجه التركيب بعيدًا عما سبق، إذ رأى أن الجملة الفعلية تفيد الدعاء [5] ، ... وبذلك جعلها استئنافية. ولعل طبيعة الأداء هي التي أعانته على هذا التوجيه، لأن أسلوب الدعاء الذي افترضته يقتضي تنغيمًا يختلف عنه في أسلوب الإخبار الذي انبنت عليه الأوجه السابقة.

ولا يحدث هذا الأمر في أساليب القرآن الكريم فقط، وإنما يحدث في الشعر أيضًا. قال أحدهم [6] :

إنَّ الكَرِيمَ وأبْيك يَعْتَمِلْ ... إِن لَّمْ يَجِدْ يَوْمًا عَلَى مَنْ يَتَّكِلْ

يبدو التركيب في الجملة الشرطية غريبًا، فقد جاء جار ومجرور من غير أن يأتي مفعول"يجد"ثم إن علاقة التوارد بين الألفاظ تبدو غير مريحة، ولا بد من تأويل حتى يستقيم الكلام، فقد ذكر ابن هشام عن ابن جني أن تركيب ..."على من يتكل"يدخل ضمن متعلقات جملة الشرط، والأصل إن لم يجد يومًا من يتكل عليه. فحذف الجار والمجرور المتعلقان بالفعل"يتكل"، وزيدت"على"قبل الاسم الموصول"من"الذي وقع مفعولًا به للفعل"يجد" [7] . غير أن بعضهم لم يرق له هذا التوجيه، فاستعان بالأداء الغائب، ليجعل أسلوب الشرط انتهى عند

(1) . المصدر نفسه.

(2) . مغني اللبيب ص562.

(3) . المصدر نفسه.

(4) . المصدر نفسه.

(5) . المقتضب4/ 124 - 125.

(6) . يعتمل: يعمل لنفسه، ويحترف لإقامة العيش، والشاهد من الخمسين التي لا يعرف قائلها، انظر: كتاب سيبويه3/ 81.

(7) . مغني اللبيب ص192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت