فهرس الكتاب
وربما كان تعدد المعنى الذي يقود إلى تعدد في التحليل النحوي حصيلة لتفاعل معطيات السياق بنوعيها، معطيات المقام ومعطيات السياق اللغوي. قال تعالى: [فَمَا آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئهم أَنْ يَفْتِنَهُمْ] [1] . تحتمل معطيات السياق أن يعود الضمير في"قومه"على موسى عليه السلام، وتذكر عن ابن عباس (ت68هـ) معطيات المقام التي تجعل الضمير عائدًا على موسى عليه السلام، وهو أن يعقوب عليه السلام دخل مصر في اثنين وسبعين شخصًا، فتوالدوا في مصر حتى صاروا ستمئة ألف، ويعتبر موسى عليه السلام من هؤلاء القوم، وبذلك يعود الضمير في"قومه"عليه [2] . ويذكر أبو حيان معطيات السياق اللغوي التي تجعله يعود على موسى عليه السلام، وهو لأنه أقرب مذكور، ولأنه المحدَّث عنه في الآية الكريمة [3] . وتحتمل معطيات السياق وجهًا آخر يقتضي أن يعود الضمير في"قومه"على"فرعون"، ويذكر بعضهم معطيات المقام التي تدعم هذا الرأي، وهي أنه آمنت زوجة فرعون، وخازنه، وامرأة خازنه وشبابٌ من قومه، مما يدل على ان المراد بالضمير هؤلاء [4] . وعن ابن عطية (ت542هـ) أن معطيات السياق اللغوي التي تؤيد هذا الوجه هي ما تقدم في الآيات السابقة من محاورة موسى عليه السلام لقوم فرعون، ورده عليهم وتوبيخه لهم على قولهم:"هذا سحرٌ" [5] . وبذلك نرى أن كلاًّ من الوجهين اعتمد معطيات السياق بنوعيه، المقام والسياق اللغوي.
وقد يؤدي النص الأدبي من خلال معطيات سياقه إلى أن يجعل الكلام يحتمل أوجهًا عديدة، والمراد بالنص في هذا البحث النسيج اللغوي المدوّن والمؤلّف من
(1) . سورة يونس، الآية"83".
(2) . البحر المحيط 5/ 182.
(3) . المصدر نفسه.
(4) . المصدر نفسه.
(5) . المصدر نفسه.