فهرس الكتاب
يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، وقد يدعى الإنسان من جميع الأبواب، وما بين مصراعين من مصاريعها كما بين مكة وهجر، بناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزغفران، فيها غرف يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلًا، في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة عام لا يقطعها، قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [1] .
قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق، ظلها قدر ما يسير الراكب في نواحيها مائة عام يخرج إليها أهل الجنة الغرف أهل وغيرهم فيتحدثون في ظلها، غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، جنتان فيهما من كل فاكهة زوجان، وجنتان فيهما فاكهة ونخل ورمان، وليست تلك الفواكه والنخل والرمان كهيئتها في الدنيا وإنما الاسم هو الاسم والمسمى غير المسمى، قد ذللت قطوفها تذليلًا، إن قام تناولها بسهولة، وإن قعد تناولها بسهولة وإن اضطجع تناولها بسهولة، كلما قطع منها شيئًا خلفه آخر {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [2] في اللون والهيئة مختلفًا في الطعم {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [3] يدعون فيها بكل فاكهة آمنين من الموت آمنين من الهرم آمنين من المرض آمنين من كل خوف ومن كل نقص في نعيمهم أو زوال {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [4] فيها أنهار من ماء غير آسن أي لم يتغير ولا يتغير أبدا وأنهار من لبن لم يتغير طعمه بحموضة ولا فساد وأنهار من خمر لذة للشاربين لا يصدع الرءوس ولا يزيل العقول وأنهار من عسل مصفى تجري هذه الأنهار من غير حفر سواق ولا إقامة أخدود يصرفونها كما يشاءون {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [5] إذا رأيتهم حسبتهم في جمالهم وانتشارهم في خدمة أسيادهم لؤلؤًا منثورًا يطوفون عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين {بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} [6] يعطى الواحد منهم قوة مائة في الطعام والشراب ليأكلوا من جميع ما طاب لهم ويشربوا من كل ما لذ لهم ويطول نعيمهم بذلك ثم يخرج طعامهم
(1) سورة الواقعة: آية 30.
(2) سورة البقرة: من آية 25.
(3) سورة مريم: آية 62.
(4) سورة هود: آية 107 - 108.
(5) سورة الإنسان: من آية 19.
(6) سورة الإنسان: آية 15 - 16.