وقد شرع الله لعباده الاستغفار بعد الأعمال الصالحة كالصلاة والحج، حتى يكون ذلك جبارًا لما قد يحصل فيها من النقص، قال تعالي: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة:199) ، وعن ثوبان رضي الله عنه قال: (( كان صلي الله عليه وسلم إذا أنصرف من صلاته استغفر الله ثلاثًا ) ). رواه مسلم.
ثانيًا: تحقيق التوحيد واجتناب الشرك:
قال تعالي: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82) ، أي: آمنوا بالله ولم يلبسوا إيمانهم بشرك، فلهم الأمن في الآخرة، وهم مهتدون في الدنيا.
فالتوحيد هو أساس الدين، وهو الشرط الأول لقبول القربات والطاعات ومغفرة الذنوب، وتحقيقه يكون بتخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فيكون بإفراد الله عز وجل بالعبادة وإثبات ما أثبته الله لنفسه، والإتيان بالأركان والواجبات وتكميل ذلك بالسنن والمستحبات.
وترك ما ينافي ذلك كله من الشرك الأكبر الذي ينافي أساس التوحيد وأصله، وترك الشرك الصغر والكبائر والتي تنافي كمال التوحيد الواجب، وترك كل ما ينافي كماله المستحب من الاسترقاء - وهي طلب الرقية من الغير-، ومثله الاكتواء، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه- عند مسلم - في السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب.
ومما يحقق التوحيد محبته- محبة التوحيد وأهله والذود عن أعراضهم والرد على مخالفتهم -، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: من لم يحب التوحيد لم يكن موحدا؛ لأنه هو الدين الذي رضيه الله لعباده، كما قال تعالي: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) .
وقال الإمام ابن تيمية - رحمه الله-: من أحب الله دينه، وما لا فلا.
كما أن الشرك أعظم سبب يمنع العبد من مغفرة الذنوب، قال تعالي: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 88) وقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: 48) .
فتحقيق التوحيد واجتاب الشرك من أعظم الأسباب التي يتحقق من خلالها المغفرة للعبد، فقد أخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (( قال الله تعاليك يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة ) ).
وأخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (( إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ يقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب ،