الصفحة 3 من 86

ولعل من مقتضيات الخاتمية أيضًا، تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ القيم في الكتاب والسنة، من أي تحريف أو تبديل، سواء في ذلك تحريف الكلم عن مواضعه، أو تحريفه بالتأويل، وهو الخروج بالمعنى عما وضع له اللفظ، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9) ، وقال: (إنَّ علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قُرآنه * ثم إن علينا بيانه ) (القيامة:17-19) ، فالتكفل بالحفظ للنص الإلهي، والحفظ والحراسة لبيانه عن طريق النبوة، يعتبر من أبرز سمات الرسالة الخاتمة، وأخص خصائصها.

والصلاة والسلام على معلِّم الناس الخير، المبين للناس ما نزل إليهم، يقول تعالى في بيان مهمته: (وأنزلنا عليك الذكر لتُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون ) (النحل:44) ، فجاء حفظ السنة والبيان النبوي، والعناية بهما، ثمرة لازمة لحفظ القرآن. وامتازت الأمة المسلمة عن غيرها من الأمم السابقة واللاحقة، بالرواية والإسناد، تلك الوسيلة التي لا بد منها لحفظ القيم، والقيام بمهمة البلاغ المبين، والتوصيل، والنقل الثقافي، على الوجه الصحيح، التي اعتبرها الله سبحانه وتعالى سبيل النجاة، بقوله: (قل لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدًا * إلا بلاغًا من الله ورسالاته ) (الجن:22،23) ، وأمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بقوله: (ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلِّغ من هو أوعى له منه ) (رواه البخاري) ، وقال: (فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع ) (رواه الترمذي وأحمد) ، وبذلك لم يقتصر الرسول صلى الله عليه وسلم على أهمية النقل (الرواية) ، وإنما نبه أيضًا إلى فقه الرواية ووعيها (الدراية) ، وبهذا استحق المسلمون وراثة القيادة الدينية، بعد نقض بني إسرائيل للميثاق، وتحريفهم للقيم السماوية.

وبعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت