أما كتمان الإنسان عملًا يريد القيام به فهذا من الحزم مع النفس، لكن لا يرتبط به حكم تكليفي، فللإنسان أن يتحدث عن مشاريع مستقبلية يعتزم القيام بها، وليس عليه في ذلك حرج.
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان) . (1)
أما ما يطلب الإنسان كتمانه مما يبلّغ به غيره، فإنه إذا كان إفشاء السر يتضمن ضررًا فإفشاء السر حرام، باتفاق الفقهاء (2) ، والضرر عام في كل ما يؤذي الإنسان.
وأما إذا لم يتضمن ضررًا فالمختار عدم جواز إفشائه متى ما طلب منه الكتمان، أو دّل الحال على ذلك، أوكان مما يُكتم في العادة. (3)
وكل هذا حال الحياة أما بعد موت صاحب السر فذهب بعض أهل العلم إلى جواز إفشائه إذا لم يتضمن غضاضة على الميت. (4)
والظاهر أن إفشاء السر لا يجوز سواء حال الموت أو الحياة، وسواء تضمن ضررًا أو لا. لأن هذا من قبيل حفظ العهد وهو كالوديعة التي يجب حفظها.
قال تعالى: {يا ايها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} (سورة الانفال: 27) .
عن أنس رضي الله عنه قال: مرّ بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الصبيان فسلّم علينا ثم دعاني فبعثني إلى حاجة له، فجئت وقد أبطأت عن أمي، فقالت:
(1) …المعجم الكبير للطبراني (20/94) ، المعجم الصغير له (2/149) . قال في كشف الخفاء (1/123) : رواه الطبراني وابو نعيم بسند ضعيف وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (943) .
(2) …نقل الاتفاق ابن بطال، أنظر: فتح الباري (11/85) ، الإنصاف للهوداوي (21/420) ، غذاء الألباب (1/115) ، إحياء علوم الدين (3/132) .
(3) …وهو مذهب الإمام أحمد وغيره انظر: الإنصاف (21/420) ، الآداب الشرعية لابن مفلح (2/257) .
(4) …أنظر: فتح الباري (11/85) .