عليهم من الشنآن والعيب ما صار، وصار أبوهم لا يصدقهم، حتى لما صدقوا استراب في خبرهم، قال الشافعي رحمه الله: ما كذبت قط، ولا حلفت بالله، ولا تركت غسل الجمعة.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما كذبت منذ أن شددت عليَّ إزاري". الجزاء من جنس العمل للعفاني."
وقال الزهري: والله لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت.
ومن الذين لم يؤثر عنهم كذبة قط ربعي بن حراش، فهذا ممن عرف في تاريخ المسلمين أنه لم يكذب أبدا، ومعلوم لزوم كعب بن مالك للصدق بعد توبة الله عليه، فلم يكذب أبدا، ومات رجل في الثمانين قالت زوجته: ما أذكر أنه كذب علي قط، فإن طلبت منه شيئا وهو يريد عمله قال: سأعمله ويصدق في ذلك، وإن كان لا يريد قال لا أريد أن أعمله.
هل يباح في الكذب شيء؟ قال النووي رحمه الله:"اعلَمْ أنَّ الكَذِبَ، وإنْ كَانَ أصْلُهُ مُحَرَّمًا، فَيَجُوزُ في بَعْضِ الأحْوَالِ بِشُروطٍ .. وضابط ذَلِكَ: أنَّ الكلامَ وَسيلَةٌ إِلَى المَقَاصِدِ، فَكُلُّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٍ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِغَيْرِ الكَذِبِ يَحْرُمُ الكَذِبُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ إِلا بالكَذِبِ، جازَ الكَذِبُ."
ثُمَّ إنْ كَانَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ المَقْصُودِ مُبَاحًا كَانَ الكَذِبُ مُبَاحًا، وإنْ كَانَ وَاجِبًا، كَانَ الكَذِبُ وَاجِبًا. فإذا اخْتَفَى مُسْلِمٌ مِنْ ظَالِمٍ يُريدُ قَتْلَهُ، أَوْ أَخذَ مَالِهِ وأخفى مالَه وَسُئِلَ إنْسَانٌ عَنْهُ، وَجَبَ الكَذِبُ.
وكذا لو كانَ عِندَهُ وديعَةٌ، وأراد ظالمٌ أخذها، وجبَ الكذبُ بإخفائها". رياض الصالحين (2/ 328) ."
فإنه يجوز لمن أخفي عنه الرجل أو المال أن يكذب لإنقاذ روح المسلم البرئ ويكون الكذب حينئذٍ واجبًا عليه.
فإن وجد مندوحة في توريةٍ صحيحةٍ فهي خير.
وَاسْتَدَل العُلَمَاءُ بِجَوازِ الكَذِبِ في هَذَا الحَالِ بقوله صلى الله عليه وسلم: (( لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا ) ). متفق عَلَيْهِ.