فإذا ذكرته بشيءٍ فيه عيب له تصريحًا أو تلميحًا أو إشارةً، سواء كان ذلك في بدنه أو دينه أو دنياه، أو نفسه أو خلقه أو خُلقه أو ماله، أو ولده أو زوجته أو خادمه أو ثوبه، أو حركته أو طلاقته، أو عبوسته، أو مهنته ونحو ذلك، سواءً كان لفظًا أو إشارةً أو رمزًا فإنها غيبة.
قالت عائشة رضي الله عنها: قلت للنبي صلّى الله عليه وسلّم: (حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا - وأشارت يَعْنِي قَصِيرَةً يكفيك من عيبها أنها كذلك، وهذا مما يكون بين الضرائر - فَقَالَ:(( لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ) )) أبو داود (4875) وصححه الألباني.
فكل ما أفهم الغير من عيبٍ عن مسلم فهو غيبة، سواءً كان تعريضًا أو تصريحًا ويدخل في ذلك قول فلان الله المستعان، وفلان نسأل الله العافية، وفلان الله لا يبلانا، ونحو ذلك فكل ذلك من الغيبة، ويكون قد جمع بهذه الكلمات بين أمرين، غيبته لأخيه المسلم ومدحه لنفسه، يعني أنه ليس كذلك، وقد تكون الغيبة في جسمه كأن يقول أعمى أو أعور أو أسود أو بدين ونحو ذلك، وقد تكون في نسبه كأن يقال: هذا فلان من بلد كذا على وجه التحقير أو أصله كذا ونحو ذلك، أو لا أصل له ولا نسب على وجه الاحتقار، وكذلك بسبب المهنة أو أن يذكره بمهنةٍ على وجه التنقص والازدراء مما يعتبر عند الناس وضيعًا، وقد يكون بخلقٍ أو بأمرٍ دنيويٍ، كأن يقول فلان دمه ثقيل، أو بمظهرٍ، كأن يقول فلان رث الهيئة ونحو ذلك، فكل ما أفهمت به غيرك نقصًا في مسلم فهو غيبة، وبعضهم إذا وعِظ قال: أني مستعد أن أقول هذا الكلام في وجهه، فإذا قال عن شخصًا مثلًا هو غبي، فوعِظ فذهب اليه فقال له في وجه أنت غبي، فإن الغيبة لا زالت غيبة، ويكون قد أضاف إليها إثمًا آخر وهو السب والشتم فجمع إلى ذكر أخيه بغيبته أثم الغيبة، وبقوله في وجهه أثم السب والشتيمة.
والغيبة آفة خطيرة من آفات اللسان، وهي من أقبح القبائح وأكثرها انتشارًا بين الناس، وقد بغّض إلينا ربنا هذا فقال: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} (الحجرات: من الآية12) . تكرهون أن تأكلوا لحوم إخوانكم الموتى فلا تغتابوهم، كما تكرهون هذا فاكروه الغيبة.