فهرس الكتاب
إن دراسة الحضارة هي الطريق الوحيدة لتنمية معنى الشخصية في الفرد. وكيف يكون على وعي بذاته من لا يعرف أسلافه؟! أعني من لا يعرف الروح الذي بعثت فيهم الحياة ، وبعثت الحياة في كل ما أنجزوه في ميادين الفنون والعلوم ، وفي حياتهم السياسية والاقتصادية ونظامهم الاجتماعي وتجربتهم الجمالية ، وكيف يكون على وعي بذاته من لا تتحرك مشاعره لآلامهم ومآسيهم أو لأمجادهم وانتصاراتهم ولا تلهمه آمالهم؟! إن الوعي بالشخصية الذاتية لا يتأتى إلا حين يقارن المرء مثل هذه المعرفة بأصوله وتراثه بما يعرفه عن الشعوب والجماعات الأخرى وبحضارتهم. إن معرفة الذات فقط [هي الأساس ] لمعرفة الفرق بينه وبين الآخرين، ليس فقط في المطالب المنفعية ولكن في النظرة إلى الكون وفي الحكم الأخلاقي والروحي. هذا هو المجال الكامل للإسلام: مجال المدنية والحضارة اللتين بناهما الإسلام ونماهما على امتداد العصور، والوصول إلى ذلك لا يتم إلا بدراسة الإسلام وحضارته ثم بالدراسة المقارنة للديانات والحضارات الأخرى. ولكي يكون المرء"عصريًا"في زمننا هذا لابد أن يكون واعيا حضاريا ، أي واعيا بطبيعة تراثه الحضاري وبالروح الذي أوجد مظاهره المختلفة وبما يميزه عن بقية تيارات التاريخ الحضاري وبجاذبيته واتجاهه نحو المستقبل. وبدون هذه المعرفة لا يمكن للمرء أن يكون فعالا في تحديد مصيره، بل لا يمكن يقينا أن تمتد به الحياة في هذا العالم. فالقوى الحضارية المتنافسة في هذا القرن تستطيع - خلافا للماضي - أن تصل إلى أي فرد وتتجاوزه دونما حاجة إلى غزو أو احتلال عسكري لبلاده. يمكنها أن تفسد عقله وأن تحوله إلى وجهة نظر عوالمها ثم تحيده وتحتويه ليصير لعبة في يدها سواء أكان واعيا بهذا أم لا. ومن المؤكد أن هذه القوى تتنافس فيما بينها للسيطرة على العالم . وإحراز الإسلام الظفر غدا أمر يملك المسلمون اليوم البت فيه وفيما إذا كان المسلمون سيصبحون صناعا للتاريخ أو مجرد