فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 95

ولما كان لكل مخلوق غاية يعمل لخدمتها، ولما كانت كل الغايات مرتبطة ببعضها البعض برباط السبب والنتيجة فإن كل هذا يجعل من الكون نظامًا غائيا هادفًا نابضًا بالحياة مفعمًا بالمعنى... فالطير في الفضاء والنجوم في السماء والأسماك في أعماق البحار والكواكب والعناصر - كل تلك أجزاء متفاعلة في النظام الواحد. لا شيء منها عاطل أو شرير، حيث إن كل كائن له وظيفته ودوره في حياة الكل. وهي معًا تكوّن بناء عضويًا تتفاعل أجزاؤه وأعضاؤه بطرق لا يزال البشر في بداية الطريق إلى اكتشافها بفضل العلم، لكن في أجزاء محدودة جدًا من الطبيعة.

أما المسلمون فهم يعلمون جيدًا أن الخليقة كيان عضوي، وأن كل جزء فيها يخدم غاية ما، حتى ولو كانوا لا يعرفونها. وهذا العلم هو ثمرة لإيمانهم. وحين تواجههم أمور مثل افتراس الذئب للحمل أو أكل الطائر للفراش أو تحول الجسد الإنساني إلى غذاء للديدان، فإنهم يفترضون أن كل ذلك خير، وأنه بنشاطه الطبيعي يحقق غرضًا إلهيًا أو نظامًا من الأغراض التي تنتهي إلى الإرادة الإلهية. فالمسلمون لا يمكنهم أن ينسبوا شيئًا للصدفة أو للأقدار العمياء. فالزلازل والطواعين والجفاف والكوارث في نظر المسلمين إنما هي من تقدير الله. والمسلم يتقبل هذه الكوارث - مهما تكن فواجعها وآلامها - على أنها من فعل الله وأنها مرادةٌ لله تعالى من أجل هدف طيب قد لا يظهر للإنسان في الوقت الحاضر. وما دامت من فعل الله، فإن المسلم لا ينهار أمامها لأنه يعرف أن الله الذي قدرها وأوجدها هو في نفس الوقت الحافظ الرحيم بعباده. لهذا، فإنها في نظر المسلم ابتلاء من الله يختبر به عباده ليصل بهم من خلالها إلى مزيد من الثبات والإيمان والتفاؤل ، والمحصلة النهائية لهذا الجانب من العقيدة الإسلامية إنما هو على وجه التحديد ما تحتاجه البشرية في مواجهة المآسي والخطوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت