فهرس الكتاب
من المؤكد أن العقل تعرض له الأوهام والضلالات والشكوك. حقًا إن قدرته على تصحيح نفسه توفر له درجة لا بأس بها من الحماية، لكنه بالنسبة للحقيقة المطلقة - وبسبب قصوره البشري - يحتاج إلى تعزيز من مصدر مبرأ من الخطأ، وهو الوحي. وبمجرد أن يتم إرساء القضايا المتعلقة بالمبادئ الأولية أو المطلقة، فإن العقل يكتسب عندئذ قوة يستطيع بها أن يتغلب على ما يعترضه من مشكلات. يجب أن تكون كافة افتراضات العقل الأولية مؤكدة بشكل قاطع: بعضها يكون كذلك لأنه يدهي، والبعض الآخر لأنه عبارة عن تجارب عامة للبشرية ككل؛ ولكن هنالك ضربا ثالثا لا يمكن إدراكه إلا لأولئك الذين تتوفر فيهم الدرجة المطلوبة من الحكمة أو نضوج الرؤية الدينية أو الأخلاقية؛ وأمثال هؤلاء هم الذين يتوقع منهم - لهذا السبب - أن يروا الحقيقة على وجهها الصحيح. ومن هنا، فإن إدراك مثل هذه الحقائق والقيم قد لا يكون عامًا بالمفهوم الرياضي، وإنما يتطلب نوعًا آخر من المؤهلات الضرورية التي يتعين وجودها. وحيثما لا يتأتى للعقل اليقين الجازم فإن نور الإيمان يمكن أن يمده بهذا اليقين، بل إنه ليلقي ضوءًا كاشفًا على سائر الفرضيات الأولية الأخرى كما يضفي مزيدًا من اليقين على النظرة الشاملة للكون المبنية على تلك الفرضيات. إن بين الإيمان والفرضيات العقلية الأولية التي تصل إلى حد الجزم لعلاقةً وتناغما واتصالا وتكاملا. وإن العقيدة في الإسلام - خلافا للديانات الأخرى القائمة على التسليم الكامل [حتى لما يناقض العقل] - لا تنفك عن العقل سواء في وظيفتها أو فيما تسهم به. فلا هي فوق العقل، وليس العقل كذلك فوقها. ولذا فليس من الإسلام أن نضع الإدراك العقلي والإدراك الإيماني على طرفي نقيض بحيث يكون على الإنسان أن يختار بينهما."..إن اليهود يطلبون آية (معجزة) ، واليونانيين يطلبون الحكمة. ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا، لليهود عثرة ولليونانيين جهالة ... إن جهالة الله"