فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 95

جـ- تسخير الخليقة للإنسان: منح الله تعالى العالم للإنسان كنعمة مؤقتة و ليكون مجالًا لنشاطه - وجعل كل شيء فيه مسخرًا له ، بمعنى أنه تحت تصرف الإنسان يستخدمه لغذائه أو متعته أو راحته. هذا الاستخدام قد يكون مباشرًا كما في حالة الغذاء والمتعة، وقد يكون غير مباشر كما يحدث حين تسخر قوى الطبيعة لتنتج ما يحتاج إليه الإنسان. وهناك تناسق ذاتي بين مفردات الخليقة والانتفاع الإنساني . فالحاجات الإنسانية جزء من بناء الخليقة، ومفردات الخليقة مصممة بقصد أن تخدم تلك الحاجات. وكل مكونات الطبيعة ذات استعداد لقبول تأثير الإنسان فيها، ولتحمل التغيير طبقًا لتصرفه والتحول إلى أي شكل يرغب فيه. يستطيع البشر أن يجففوا البحار ويستخدموا الشمس ويحركوا الجبال ويزرعوا الصحارى أو أن يتركوا الدنيا كلها خرابًا. في إمكانهم أن يملأوا الدنيا بالجمال ويجعلوا كل شيء يزدهر، أو أن يملأوها بالقبح ويحطموا كل شيء. إن تسخير الكون للإنسان لا يقف عند حد... لقد شاء الله تعالى أن تكون العلاقات السببية والغائية المتبادلة بين أفراد الخليقة هي مادة هذا التسخير، وبدونها لا يكون للتسخير جدوى ولا معنى. فلو كان الإنسان لا يستطيع الاعتماد على الأسباب لإحداث نتائجها، أو كانت الوسائل غير صالحة لتوصِّل إلى الغايات، لفقد الإنسان اهتمامه بالكون ولكف عن أي محاولة لتغييره إلى الأنماط التي يجب أن يكون عليها طبقًا لوحي الله..."مادمت مكلفًا فإنك مستطيع"هذا المبدأ الذي ينسب إلى"كانط"، والذي يعد أول مبادئ"ميتافيزيقا الأخلاق"كان أول من عبر عنه أحد فلاسفة المسلمين مستوحيًا إياه من المبدأ القرآني (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) (البقرة: الآية286) وبدون هذه النتيجة الضمنية الضرورية يصبح العالم إما جامدًا عديم الحركة والتغير، وإما عالمًا للمجانين.

(3) وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت