فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 95

إن مضمون"الأمانة"الإلهية، وبالتالي مضمون"الخلافة"، هو بناء الثقافة والحضارة والسمو بها، إن محور"الخلافة"هو تحقيق السلام والأمن على الحياة والممتلكات وتنظيم البشرية في مجتمعات منظمة قادرة على إنتاج الطعام وعلى معالجته وتخزينه وتوزيعه على الجميع بشكل كاف كمًا ونوعًا، وتهيئة المأوى والدفء والراحة والاتصالات واليسر، وإعداد ما يكفي من الأدوات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، وأخيرًا، تهيئة الفرص للتعليم وتحقيق الذات وللتمتع الترفيهي والجمالي. وهذا مرادف لإقامة ثقافة وحضارة ولبناء الحياة في هذا الوجود، ولقد أمر الله عز وجل بإقامة ذلك كله ، وأعلن أن ذلك هو السبب الحقيقي لخلق العالم، والمراد الإلهي الأسمى من وراء هذا كله هو أن يبرهن البشر على أهليتهم من الناحية الأخلاقية فيما يقومون به من أفعال ، وبإمكانهم أن يحققوا هذا ببساطة بأن يجعلوا الله قبلتهم في كل ما يقومون به إذ يمارسون كافة أنشطتهم الحياتية فيجعلونها لوجه الله سبحانه وتعالى، وبأن يحرصوا على إقامة مبدأ العدل من خلال هذا كله ... إن المسلمين يفهمون -وبحق- أن هذا الاستخلاف عمل سياسي في المقام الأول ، وكثيرا ما ربط القرآن الكريم الاستخلاف بإقامة السلطة السياسية (الأعراف: 73) وبضمان الأمن والسلام (النور 54) وبالقضاء على أعداء الله واستبدال نظم حكمهم الظالمة بحكم خلفاء الله في الأرض (الأعراف: 128) (يونس: 13) ... ويعتبر العمل السياسي أي المشاركة في العملية السياسية بدءا من اختيار الحاكم أو بيعته ، وتقديم المشورة والنصح للحاكم ووزرائه، ومراقبة أعمالهم ونقدهم أو حتى خلعهم - كل هذه ليست فقط أمورا مرغوبا فيها في الإسلام بل هي من أوجب الواجبات الدينية والأخلاقية ، والنكوص عن القيام بتلك الواجبات يعني الوقوع في الجاهلية كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولقد حارب أبو بكر والصحابة من رفضوا تلك المشاركة وإن احتفظوا بالعقيدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت