وأشار أحد الباحثين (7) إلى أهمية السياق في التفريق بين معاني"المشترك اللفظي"، وأنّ التحديد الدقيق لدلالة هذه الألفاظ إنما يرجع إلى السياق. ولقد تعرّض سيبويه إلى هذه القضية في أوّل كتابه تحت عنوان"هذا باب اللفظ للمعاني"، فيقول"اعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين. وسترى ذلك إن شاء الله تعالى". فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلس وذهب. واختلاف اللفظين والمعنى واحد، نحو: ذهب وانطلق. واتفاق اللفظين والمعنى مختلف، قولك: وَجَدْتُ عليه من المَوْجِدة، ووجدت إذا أردت وِجدان الضّالة.وأشباه هذا كثير" (8) ."
(فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين) هو المختلف، ومثّل له بجلس وذهب، (اختلاف اللفظين والمعنى واحد) هو المترادف، ومثّل له بذهب وانطلق، و (اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين) هو المشترك اللفظي، ومثّل له بوَجَدَ من الموجِدة أو من وِجدان الضّالّة. وهكذا أشار سيبويه إلى ظاهرة المختلف والمترادف والمشترك اللفظي، مما لا يدع مجالًا للشك بين اللغويين العرب حول وجود هذه الظواهر في اللغة العربية (9) ، كما تدل هذه الإشارة المبكرة في أول كتاب نحوي يصلنا على مدى الاهتمام بموضوعات علم الدلالة التي دارت حولها البحوث والمناقشات.
ويستفاد من ذلك أيضا أنه إذا تعدد معنى الكلمة، تعددت بالتالي احتمالات القصد منها. وتعدد احتمالات القصد يقود إلى تعدد المعنى. ويقوم السياق ووضع الكلمة في موقعها داخل التركيب اللغوي بتحديد دلالة الكلمة تحديدا دقيقا مهما تعددت معانيها ويصرف ما يُدّعَى من التباس أو إبهام أو غموض في الدلالة بسبب هذه الظواهر (10) .