الصفحة 1 من 14

أَقَاْحِي الْتَّغِييرِ الْرَمَضَانِيَّة

تأليف

د. حمزة آل فتحي

عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد بأبها

الطبعة الأولى

1433هـ

2012م

أقحوانة ...

تخيلت أن رمضان روضة ترفرف فيه الزهور، وتتراقص فيه الاقاحي .. شممت طيبها، وعايشت نسيمها .. لكأنها شئ خطاف، ومنبع رفراف ... فبدأت أطاردها، وأسأل عنها، وأتتبع آثارها .. حتى تكونت ما تشاهدونه من هذي الأقاحي والشذرات الوردية .. وهي قابلة للمزيد، لشرف الموسم الآسر، وشهد مجده الباهر ...

الافتتاحية

الحمد لله شارع الصيام والقيام، ومسدي النعمة والإكرام، وصلى الله وسلم على خير الأنام، ومعلم الأفهام، وعلى آله وصحبه أولي الجد والاهتمام ....

أما بعد:

فتكاد تتفق كلمة العقلاء والحكماء من المسلمين، على أن رمضان شهر التغيير والإصلاح والتجديد .. يقلب النفوس، ويجدِّد العزائم، ويُذكي الأرواح، ويصنع ثورة في حياة المؤمن، لم يكن جربها من قبل، إذ يتغير برنامجه، وتصفو نفسه، وتختلف حركته، وتهدأ جوارحه، وتعظم طاعاته، وتسارع قواه إلى مدى من النور، والسعادة والبهجة !!

وكنتُ أرى أن قد تناهَى بيَ الهوى ... إلى غايةٍ ما بعدها لي مذهبُ

فلما تلاقينا وعاينتُ حسنَها ... تيقنتُ أني إنما كنت ألعبُ

بل إنه قد انتقل هذا المعنى إلى عوام المسلمين، وبدأوا يحسون بضرورة التغيير والإصلاح النفسي لهم في رمضان .... ! وفئام تقول: إن لم أتغير الآن، فمتى عسى أن أتغير؟! والله يقول: (( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) )11 الرعد.

فلم يعد رمضان عندهم مجرد الاستزادة من الخيرات، والكف عن المنهيات!! بل إنهم يتصورون من خلاله، أهمية الانقلاب الكامل على النفس وتقصيراتها، والعقل وهفواته، والجسد ونزواته، والعمل وكبواته، بحيث يستطعم المسلم معاني التغيير والانطلاق في حياته، ويكون رمضان موسم همة وتجديد ورخاء وعلاء، يخرج منه المسلم بنفسية عالية مقتدرة، ترسم منهجًا جديدًا، وتختط خطة رشيدة، تحفظ من خلالها مسارها، وتصون نفسها وعرضها، وتحافظ على خيريتها واستقامتها، ويكون بابًا فسيحًا للتوبة ...

ولكن لابدّ من مبادرة داخلية، وعزيمة ذاتية، وتجريد نفسي، يأتي على مزالق الداخل، وجُنَح الضمير، ليصدق التحول، ويصح التغيير، تحقيقًا للآية الكريمة السالفة الذكر .. وإلا كنا أرباب أمنيات، بلا أفعال حقيقيات.!!

لأن كثيرين يتغيرون في رمضان ويصلحون، ولكنهم لا يحافظون على هذا التغيير والتجديد!!

وهذه مسألة أخطر مما نحن بصدده، لأن التغيير حديث آخر، يختلف عن مسألة المحافظة على التغيير والاستمرارية عليه، ولعلنا في خضم مساحات التغيير، نشير الى بعض الحلول والمسالك الوقائية، التي تضمن بقاء الإنسان، وحفاظه على إنجازاته الرمضانية، من نحو تجديد النية الخالصة لله والمجاهدة، وتغيير المعارف، ومجاهدة النفس، وسؤال الله الثبات ... في حلول أخرى، لن يُعدمها كتابنا هذا، لاسيما ونحن نتكلم فيه عن (مساحات التغيير الرمضانية) الذي يجلي لكم عظم امتنان الباري سبحانه وتعالى بهذا الشهر الكريم، الذى هو بحق مدرسة نفوس، ومنارة أجيال، ومؤسسة بناء وتغيير، لا يمكن لأحد وصفها، والوقوف على عجائبها وأسرارها .... !! لأن الحديث فيها لا ينتهي ولا ينقضي !!!

ويكفيك الإشراقة الروحية، التي تنبعث في النفس من أول أيامه، فيقذف في قلوب العباد حبه ومهابته، وتعظيمه والمسارعة في خيراته، حتى إن العصاة ليعظمونه ويهابونه، ويتخفون عن كثير من أخطائهم!!

هذا رمضان وهذه عجائبه، فذرونا نلج في شئ منها، عن حقائق التغيير فيه لنكشف مدى عمق هذا الشهر، وتوهجه في حياة الفرد والجماعة وسائر الخلق، والله ولي التوفيق ...

الإثنين 1 رمضان 1432 هـ

1/ 8/2012 م

1)تغيير الروح

الأرواح في رمضان مختلفة .... !!

لا يُدرَى هل هو بفعل رمضان بها وروحانيته؟! أم بطعومة العبادة، فيه، أم باندفاع الناس إلى الخيرات؟!

سرٌ عجيب لانزال نفكر فيه، ونعيد النظر فيه .. كلما حلَّ رمضان، وازدانت منائره، وتباهت أفنانه ... !!

نقدِّم القربة في كل شهر، بل في كل يوم وساعة، ولكنها في رمضان ذات مذاق خاص، تعلو بروحك، وترتقي نفسيتك، وتستطعم سعادة غامرة، وبهجة دافئة.

تفعل العبادة وتتعمق فيها، ولا تملها! تستمتع بذكر الله، له حلاوة مخصوصة (( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ) ) (28) الرعد.

تحس بعدم الشبع، كأن شيئًا يحفزك إلى المزيد، تتجدد روحك، وتتغير مشاعرك، لقد اجتمعت عليها عدة عوامل غيرتها:

أولًا: ترديها لجلباب الصيام، الكاف لها عن الشهوات المختلفة، والصائن للسانها وهفواتها، وفي الحديث الصحيح (الصيام جنة) . أخرجاه، وفي رواية (الصيام جنة يستجن بها العبد من النار) كما عند أحمد بسند صحيح.

ثانيًا: إطلاله رمضان بسحره ووهَجه وحلاوته ووميضه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت