الصفحة 2 من 14

لايمكن لروح حية أن تتغافل عن نبضات حديث نبوي باهر، يجتذبها من بين أشغالها وغفلاتها .. قال عليه الصلاة والسلام:: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، ثُمَّ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ) رواه الترمذي والنسائي بسند صحيح.

ثالثًا: تنافسها في الخيرات، وشعورها بالدافع الداخلي، والهمة الملتهبة للإصلاح والتغيير، لا سيما ليلة القدر، قال صلى الله عليه وسلم: (من حُرِمها فقد حُرِم الخير كله) .

رابعًا: رؤيتها لحركة الناس الدفاقة وراء الخيرات، وازدحام المساجد بهم، وارتفاع صوت القرآن، المورث لليقظة بعد الغفلة والسبات.

خامسًا: الشعور الداخلي بأن رمضان يكسر النفس والهوى، ويطرد الشيطان والردى، فتستحي الأنفس، أن تعصي الله في شهر، تفتح فيه أبواب الرحمة وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد الشياطين، كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم في الصحيحين.

فحريٌ لمن تتوفر له تلك العوامل، أن يجعل روحه مَرتعًا خَصيبًا، للأنوار الرمضانية والقرآنية، التي تصفّيه وتنقيه وتهنيه، فيخرج بروح بيضاء جديدة، قريبة للخيرات، كارهة للموبقات، محبة للصلة والجود وصنوف المعروف، كما كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.

(2) تغيير الجسد

الصيام عمومًا، وفى رمضان خصوصًا، يغير الجسد، من حيث فرضية الإمساك عليه، فيصوم المسلم ثنتي عشرة ساعة أو تزيد، لا يذوق فيها طعامًا ولا ذواقًا، متدينا بذلك لله تعالى .... كمال قال في الحديث (إيمانا واحتسابًا) .

فإن كان أكولًا شروبًا، قهر نفسه بالصيام، وهذبها بالأذكار، فتزول أسقامه، ويحس بالارتياح، وكمال الصحة ... فكما أنه ترياق سعادة، فهو تريق قوة وجلد.

وقد روي في حديث ضعيف (صوموا تصحوا) عند الطبراني في الكبير والعُقيلي في الضعفاء، وسنده ضعيف، لكن معناه صحيح، فكم من أسقام يعالجها الصيام، ومن ذلك ما يلي:

أن الصوم يعالج الجسم من الدهنيات الزائدة، واضطرابات المعدة المصحوبة بتخمر في المواد الزلالية والنشوية، وأن الصوم يحدث انخفاضات في معدل الكولسترول لدى الصائمين، ويخفف لأواء بعض الأمراض المزمنة، كمرض الكبد والكلى وتورم الساقين، حيث بالصيام يحسون بالراحة والنشاط بفضل التخلص من الرواسب المتراكمة ...

كذلك إن نسبة تعاطي المأكولات في رمضان تقل، لأن الصائم أثناء النهار يمنّي نفسه بالأكل، ويجمع ويدخر من الأطايب واللذائذ، فإذا ما حضرت ساعة الإفطار شرب ماء وتمرات، وصنفًا أو صنفين، ثم أحس بالشبع!!

وبعض الناس يفرط في شرب الماء والعصائر، إلى أن تمتلئ معدته، ولا يمس سفرته الكبيره بشئ، فهو من هذا المعنى تغيير للجسد ...

يقل وزن بعض الناس في رمضان، بسبب الصوم والاختلاف الغذائي لديه، شرَبة الدخان والشيشة يعزفون، فتصحّ أجسادهم، وتنشرح أرواحهم، وبعضهم، إن لم يكف عنه، تقلَّل، وهو في الطريق إلى تركه بالكلية ...

يدرك الجميع أن الصائم ينكسر جوعه بوجبة إفطار قليلة، وليس بالسفر الطويلة والعريضة ... ! تتغير رائحة فمه، ولكنها طيبة محببة عند الله تعالى، جاء في الحديث الصحيح (لخُلوف فم الصائم، أطيبُ عند الله من ريح المسك) .

يفرح الصائم عند فطره كما صح بذلك الحديث، فتنشط روحه وجسده، ويزداد حبه للصيام، وأن هذه الدنيا بزينتها ومتعها ولذائذها، لا تساوي شيئًا عند ساعة صيام من رمضان، فلله الحمد والمنة ... ووفي الحديث (عليك بالصوم فإنه لا عدل له) فثوابه عظيم، وشأنه كبير، وآثاره واسعة، وعائدته لا حصر لها، فضلًا وبركةً وصحة وقوة وبلاء

(3) تغيير الفِكر

قد يبدو العنوان غريبًا للوهلة الأولى، ولكننا لا نبالغ عندما نقول:

إن الفكر يتغير في رمضان، وبالإمكان تغييره إلى الأحسن والأفضل، فمن الأفكار المتغيره في رمضان:

أولًا: النظرة الى الدنيا وزينتها حيث إن الصوم يذكِّر بالله والعبودية ويلهم إلى الدار الآخرة، التي هى أشرف من الدنيا، ويحفز إلى الاستعداد لها، والصيام من أبوابها. فلهم في الجنة باب الريان، (لا يدخله سواهم، فإذا دخلوه أُغلق عليهم) .

ثانيًا: إن الصيام يميل للزهد والانقطاع عن الناس، ويهذب الأجساد والأخلاق على المسالك الحسنة، والحياة المتواضعة.

ثالثًا: يعظم شأن العبادة في حس المسلم، لأن الصائم يصيب كبد السعادة، ويحقق الهناء الصفي، ويلتصق حبه بالعبادة، ويدرك أن فيها خيري الدنيا والآخرة، وهذا يظهر جليًا في حق المقصرين قبل رمضان، والمحرومين من حلاوة الطاعات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت